العيني
22
عمدة القاري
على فعله شهرا بأدلتنا . والثالث : ما روي عن البراء بن عازب ، وقد ذكرناه . وقال أحمد : لا يروى عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه قنت في المغرب إلاّ في هذا الحديث . والرابع : ما هو صريح في حجتهم نحو ما رواه عبد الرزاق في ( مصنفه ) ، وقد ذكرناه ، انتهى . قلت : كيف تستدل الشافعية بهذا الحديث وهم لا يرون القنوت في المغرب ، فيعملون ببعض الحديث ويتركون بعضه ، وهذا تحكم . وقد أورد الخطيب في كتابه الذي صنفه في ( القنوت ) أحاديث أظهر فيها تعصبه . فمنها : ما أخرجه عن دينار بن عبد الله خادم أنس بن مالك ( عن أنس ، قال : ما زال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقنت في صلاة الصبح حتى مات ) . قال ابن الجوزي : وسكوته عن القدح في هذا الحديث واحتجاحه به وقاحة عظيمة وعصبية باردة وقلة دين ، لأنه يعلم أنه باطل . وقال ابن حبان : دينار يروي عن أنس أشياء موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب إلاّ على سبيل القدح فيها ، فواعجبا للخطيب ، أما سمع في الصحيح : ( من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين ؟ ) وهل مثله إلاّ مثل من أنفق بهرجا ودلسه فإن أكثر الناس لا يعرفون الصحيح من السقيم ، وإنما يظهر ذلك للنقاد ، فإذا أورد الحديث محدث واحتج به حافظ لم يقع في النفوس إلاّ أنه صحيح ؟ ولكن عصبيته حملته على هذا ، ومن نظر في كتابه الذي صنفه في ( القنوت ) ، وكتابه الذي صنفه في ( الجهر بالبسملة ) ومسألة العتم ، واحتجاجه بالأحاديث التي يعلم بطلانها ، اطلع على فرط عصبيته وقلة دينه ، ثم ذكر له أحاديث أخرى كلها عن أنس : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لم يزل يقنت في الصبح حتى مات ، وطعن في أسانيدها . وقال الكرماني : فإن قلت : كيف حكم القنوت في المغرب ؟ قلت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تارة يقنت في جميع الصلوات وتارة في طرفي النهار ، لزيادة شرف وقتهما حرصا على إجابة الدعاء حتى نزل : * ( ليس لك من الأمر شيء ) * ( آل عمران : 821 ) . فترك إلاّ في الصبح ، كما روى أنس أنه صلى الله عليه وسلم ، لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا . انتهى . قلت : قال الطحاوي : حدثنا ابن أبي داود حدثنا المقدمي حدثنا أبو معشر حدثنا أبو حمزة عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود ، قال : ( قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على عصبة وذكوان ، فلما ظهر عليهم ترك القنوت ، وكان ابن مسعود لا يقنت في صلاته ) . ثم قال : فهذا ابن مسعود يخبر أن قنوت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان إنما كان من أجل من كان يدعو عليه ، وأنه قد كان ترك ذلك ، فصار القنوت منسوخا فلم يكن هو من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت ، وكان أحد من روى أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر ، ثم أخبرهم أن الله عز وجل نسخ ذلك حين أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم : * ( ليس لك من الأمر شيء ) * ( آل عمران : 821 ) . الآية ، فصار ذلك عن ابن عمر منسوخا أيضا ، فلم يكن هو يقنت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ينكر على من كان يقنت ، وكان أحد من روى عنه القنوت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر ، فأخبر في حديثه بأن ما كان يقنت به رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء على من كان يدعو عليه ، وأن الله عز وجل نسخ ذلك بقوله : * ( ليس لك من الأمر شيء ) * ( آل عمران : 821 ) . الآية ، ففي ذلك أيضا وجوب ترك القنوت في الفجر . انتهى . فإذا كان الأمر كذلك ، فمن أين للكرماني حيث يقول : إلاّ في الصبح ؟ والحديث الذي استدل به على ذلك لا يفيده ؟ لأنا قد ذكرنا أن القنوت يأتي لمعان كثيرة منها : الطول في الصلاة ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصلاة طول القنوت ) . فإن قلت : قد ثبت عن أبي هريرة أنه كان يقنت في الصبح بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف تكون الآية ناسخة لجملة القنوت ؟ وكذا أنكر البيهقي ذلك ، فبسط فيه كلاما في ( كتاب المعرفة ) فقال : وأبو هريرة أسلم في غزوة خيبر وهو بعد نزول الآية بكثير ، لأنها نزلت في أحد ، وكان أبو هريرة يقنت في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته ؟ قلت : يحتمل أن أبا هريرة لم يكن علم نزول هذه الآية ، فكان يعمل على ما علم من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقنوته إلى أن مات ، لأن الحجة لم تثبت عنده بخلاف ذلك ، ألا ترى أن عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ، رضي الله تعالى عنهم ، لما علما بنزول الآية وعلما كونها ناسخة لما كان صلى الله عليه وسلم يفعله تركا القنوت ؟ وعن إبراهيم بسند صحيح : أنه لا يقنت في صلاة الصبح ، وعن عمرو بن ميمون والأسود أن عمر بن الخطاب لم يقنت في الفجر ، وكان ابن عباس وابن عمر لا يقنتان فيه ، وكذلك ابن الزبير وجده أبو بكر الصديق وسعيد بن جبير وإبراهيم . وقال الشعبي : إنما جاء القنوت في الفجر من قبل الشام ، وعن ابن عمر وطاووس : القنوت في الفجر بدعة ، وقد ذكرناه فيما مضى ، وبه قالت جماعة ، وروى الترمذي ( عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه عمر ، قال : صليت خلف النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فلم يقنت ، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي فلم يقنتوا ، يا بني إنه محدث ) . وزاد ابن منده في ( كتاب القنوت ) : رواه جماعة من الثقات عن أبي مالك ، واسم أبي مالك