العيني

3

عمدة القاري

فقيل لابن عمر : ما معنى مثنى مثنى ؟ قال : تسلم في كل ركعتين ) ، وقال بعضهم : فيه رد على من زعم من الحنفية أن معنى : اثنين ، أن يتشهد بين كل ركعتين ، لأن راوي الحديث أعلم بالمراد به ، وما فسره هو المتبادر إلى الفهم لأنه لا يقال في الرباعية مثلا ، أنها : مثنى . قلت : زعم هذا الحنفي بما ذكر لا يستلزم نفي السلام ، ومقصوده أن لا بد من التشهد بين كل ركعتين ، وأما أنه يسلم أو لا يسلم فهو بحث آخر . ويجوز أن يقال في الرباعية : مثنى مثنى ، بالنظر إلى أن كل ركعتين منها مثنى ، مع قطع النظر عن السلام ، قوله : ( فإذا خشي أحدكم الصبح ) أي : فوات صلاة الصبح . قوله : ( توتر له ) على صيغة المجهول أسند إلى ما فيما قد صلى ، والمعنى : تصير به تلك الركعة الواحدة وترا . وبه احتج الشافعي ، على أن الإيتار بركعة واحدة جائز ، وسنتكلم فيه مبسوطا إن شاء الله تعالى . ذكر ما يستفاد منه : وهو على وجوه الأول : احتج به أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد : أن صلاة الليل مثنى مثنى ، وهو أن يسلم في آخر كل ركعتين ، وأما صلاة النهار فأربع عندهما ، وعند أبي حنيفة : أربع في الليل والنهار ، وعند الشافعي فيهما . مثنى مثنى ، واحتج بما رواه الأربعة من حديث ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ) ، وبما رواه إبراهيم الحربي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ) ، وبما رواه الحافظ أبو نعيم في ( تاريخ أصبهان ) : عن عروة عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ) . ولأبي حنيفة ، رضي الله تعالى عنه ، في الليل ما رواه أبو داود في ( سننه ) من حديث زرارة بن أوفى ، ( عن عائشة أنها سئلت عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوف الليل ، فقالت : كان يصلي صلاة العشاء في جماعة ، ثم يرجع إلى أهله فيركع أربع ركعات ، ثم يأوي إلى فراشه . . . ) الحديث ، وقال أبو داود : في سماع زرارة عن عائشة نظر ، ثم أخرجه عن زرارة عن سعيد بن هشام عن عائشة ، قال : وهذه الرواية هي المحفوظة عندي . وروى أحمد في ( مسنده ) : عن عبد الله بن الزبير ، رضي الله تعالى عنهما ، قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى العشاء ركع أربع ركعات وأوتر بسجدة ، ثم نام حتى يصلي بعدها صلاته من الليل ) . فإن قلت : أخرج مسلم عن عبد الله بن شقيق ، ( عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في بيتي . . ) الحديث ، وفيه : ( ويصلي بالناس العشاء ثم يدخل بيتي ويصلي ركعتين ) ، فهذا مخالف لحديثها المتقدم . قلت : قد وقع عن عائشة اختلاف كثير في أعداد الركعات في صلاته صلى الله عليه وسلم في الليل ، فهذا إما من الرواة عنها ، وإما منها باعتبار أنها أخبرت عن حالات ، منها ما هو الأغلب من فعله صلى الله عليه وسلم ، ومنها ما هو نادر ، ومنها ما هو بحسب اتساع الوقت وضيقه ، ولأبي حنيفة في النهار ما رواه مسلم من حديث معاذة أنها سألت عائشة ، رضي الله تعالى عنها : ( كم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ؟ قالت : أربع ركعات يزيد ما شاء ) . وفي رواية : ( ويزيد ما شاء ) ، وروى أبو يعلى في ( مسنده ) من حديث عمرة ( عن عائشة قالت : سمعت أم المؤمنين عائشة تقول : كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يصلي الضحى أربع ركعات لا يفصل بينهن بكلام ) . ( والجواب ) : من حديث الأربعة الذي فيه ذكر النهار إن الترمذي لما رواه سكت عنه إلاّ أنه قال : اختلف أصحاب شعبة فيه ، فرفعه بعضهم ، ووقفه بعضهم ، ورواه الثقات عن عبد الله بن عمر عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ولم يذكر فيه صلاة النهار ، وقال النسائي : هذا الحديث عندي خطأ . وقال في ( سننه الكبرى ) : إسناده جيد إلاّ أن جماعة من أصحاب ابن عمر خالفوا الأزدي فيه ، فلم يذكروا فيه النهار ، منهم : سالم ونافع وطاووس ، والحديث في ( الصحيحين ) من حديث جماعة عن ابن عمر ، وليس فيه ذكر النهار ، وقال الدارقطني : في رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن ابن عمر مرفوعا ( صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ) غير محفوظ ، وإنما تعرف صلاة النهار عن يعلى بن عطاء عن علي البارقي عن ابن عمر ، وقد خالفه نافع وهو أحفظ منه فذكر إن صلاة الليل مثنى مثنى والنهار أربعا . فإن قلت : قال البيهقي : سئل أبو عبد الله البخاري عن حديث البارقي هذا : أصحيح هو ؟ قال : نعم . وقال ابن الجوزي : هذه زيادة من ثقة فهي مقبولة . قلت : لو كان هذا صحيحا لخرجه البخاري هنا ، وقال يحيى : كان شعبة ينفي هذا الحديث ، وربما لم يرفعه ، وروى إبراهيم الحنيني عن مالك والنمري عن نافع عن ابن عمر ، يرفعه : ( صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ) . وقال ابن عبد البر : رواية الحنيني خطأ ، ولم يتابعه عن مالك أحد . الوجه الثاني : أن الشافعي احتج به على أن الإيتار بركعة واحدة جائز ، واحتج أيضا بحديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ،