العيني

159

عمدة القاري

الدليل على أن عبد الله بن بريدة عاصر عمران ، كما ذكرناه عن قريب . قوله : ( وكان ميسورا ) ، بسكون الباء الموحدة بعدها سين مهملة ، أي : كان معلولاً بالباسور ، وهو علة تحدث في المقعدة . وفي ( التلويح ) : الباسور ، بالباء الموحدة مثل : الناسور بالنون ، وهو الجرح الفاذ ، أعجمي ، يقال : تنسر الجرح تنفض وانتشرت مدته ، ويقال : ناسور وناصور عربيان ، وهو القرحة الفاسدة الباطن التي لا تقبل البرء ما دام فيها ذلك الفساد ، حيث كانت في البدن ، فأما الباسور بالباء الموحدة فهو ورم المقعدة وباطن الأنف . قلت : الباسور واحد البواسير ، وهو في عرف الأطباء نفاطات تحدث على نفس المقعدة ينزل منها كل وقت مادة . قوله : ( قاعدا ) في الموضعين ، ( وقائما ) و ( نائما ) : أحوال . قوله : ( ومن صلى نائما ) بالنون من النوم أي : مضطجعا على هيئة النائم ، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( فإن لم تستطع فعلى جنب ) ، وترجم له النسائي : باب صلاة النائم ، ويدل عليه أيضا ما رواه أحمد في ( مسنده ) : حدثنا عبد الوهاب الخفاف عن سعيد عن حسين المعلم ، قال : وقد سمعته عن حسين عن عبد الله ابن بريدة ( عن عمران بن حصين ، قال : كنت رجلاً ذا أسقام كثيرة ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاتي قاعدا ؟ فقال : صلاتك قاعدا على النصف من صلاتك قائما ، وصلاة الرجل مضطجعا على النصف من صلاته قاعدا ) انتهى . هذا يفسر أن معنى قوله : ( نائما ) بالنون يعني : مضطجعا ، وأنه في حق من به سقم بدلالة قوله : ( كنت رجلاً ذا أسقام كثيرة ) ، وأن ثواب من يصلي قاعدا نصف ثواب من يصلي قائما ، وثواب من يصلي مضطجعا نصف ثواب من يصلي قاعدا . وقال الخطابي : وأما قوله : ( ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد ) ، فإني لا أعلم أني سمعته إلاّ في هذا الحديث ، ولا أحفظ من أحد من أهل العلم أنه رخص في صلاة التطوع نائما ، كما رخصوا فيها قاعدا ، فإن صحت هذه اللفظة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن من كلام بعض الرواة أدرجه في الحديث وقاسه على صلاة القاعد أو اعتبره بصلاة المريض نائما إذا لم يقدر على القعود ، فإن التطوع مضطجعا للقادر على القعود جائز ، كما يجوز أيضا للمسافر إذا تطوع على راحلته ، فأما من جهة القياس فلا يجوز له أن يصلي مضطجعا ، كما يجوز له أن يصلي قاعدا ، لأن القعود شكل من أشكال الصلاة وليس الاضطجاع في شيء من أشكال الصلاة ، وادعى ابن بطال أن الرواية : ( من صلى بإيماء ) ، على أنه جار ومجرور وأن المجرور مصدر : أومأ ، قال : وقد غلط النسائي في حديث عمران بن حصين وصحفه وترجم له : باب صلاة النائم ، فظن أن قوله ، صلى الله عليه وسلم : ( من صلى بإيماء ) ، إنما هو من صلى نائما . قال : والغلط فيه ظاهر لأنه قد ثبت عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه أمر المصلي إذا غلبه النوم أن يقطع الصلاة ثم بين صلى الله عليه وسلم معنى ذلك ، فقال : ( لعله لم يستغفر فيسب نفسه ) ، فكيف يأمره بقطع الصلاة وهي مباحة له ؟ وله عليها نصف أجر القاعد ؟ قال : والصلاة لها ثلاثة أحوال : أولها القيام ، فإن عجز عنه فالقعود ، ثم إن عجز عنه فالإيماء ، وليس النوم من أحوال الصلاة . انتهى . وقال شيخنا زين الدين : أما نفي الخطابي وابن بطال للخلاف في صحة التطوع مضطجعا للقادر فمردود ، فإن في مذهبنا وجهين : الأصح منهما الصحة ، وعند المالكية فيه ثلاثة أوجه حكاها القاضي عياض في ( الإكمال ) : أحدها الجواز مطلقا في الاضطراار ، والاختيار للصحيح والمريض لظاهر الحديث ، وهو الذي صدر به القاضي كلامه . والثاني : منعه مطلقا لهما ، إذ ليس في هيئة الصلاة . والثالث : إجازته لعدم قوة المريض فقط ، وقد روى الترمذي بإسناده عن الحسن البصري جوازه حيث قال : حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن أشعث بن عبد الملك ( عن الحسن ، قال : إن شاء الرجل صلى صلاة التطوع قائما أو جالسا أو مضطجعا ) فكيف يدعي مع هذا الخلاف القديم والحديث الاتفاق ؟ وأما ما ادعاه ابن بطال عن النسائي من أنه صحفه فقال : نائما ، وإنما الرواية : بإيماء ، على الجار والمجرور ، فلعل التصحيف من ابن بطال : وإنما ألجأه إلى ذلك حمل قوله : ( نائما ) على النوم حقيقة الذي أمر المصلي إذا وجده أن يقطع الصلاة ، وليس المراد ههنا إلاّ الاضطجاع لمشابهته لهيئة النائم ، وحكى القاضي عياض في الإكمال ) : أن في بعض الروايات : مضطجعا ، مكان : نائما ، وبه فسره أحمد بن خالد الوهبي ، فقال : نائما ، يعني : مضطجعا . وقال شيخنا : وبه فسره البخاري في ( صحيحه ) فقال ، بعد إيراده للحديث : قال أبو عبد الله : نائما عندي مضطجعا ، وقال أيضا : وقد بوب عليه النسائي : فضل صلاة القاعد على النائم ، ولم أر فيه : باب صلاة النائم ، كما نقله ابن بطال . ذكر ما يستنبط منه : قال الترمذي : هذا الحديث محمول عند بعض أهل العلم على صلاة التطوع قلت : كذلك