العيني

130

عمدة القاري

الآخر ) ظاهره أن هذا قيد يخرج الكافرات ، كما ذهب إليه البعض ، وليس كذلك ، بل هو وصف لتأكيد التحريم لأنه تعريض أنها إذا سافرت بغير محرم فإنها تخالف شرط الإيمان بالله واليوم الآخر ، لأن التعرض إلى وصفها بذلك إشارة إلى إلزام الوقوف عندما نهيت عنه ، وأن الإيمان بالله واليوم الآخر يقضي لها بذلك . قوله : ( ليس معها حرمة ) جملة حالية ، أي : ليس معها رجل ذو حرمة منها ، كما في رواية مسلم ، كذلك ، وقد مر عن قريب . واستدل بهذا الحديث الأوزاعي والليث على : أن المرأة ليس لها أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلاّ بذي محرم ، ولها أن تسافر في أقل من ذلك ، وقد مر الكلام فيه مستقصىً . تابَعَهُ يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ وسُهَيْلٌ ومالِكٌ عنِ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أي : تابع ابن أبي ذئب عن أبي هريرة يحيى وسهيل ومالك ، فهذه المتابعة في متن الحديث لا في الإسناد ، لأنهم لم يقولوا عن أبيه . وقال المزني : يعني تابعه في قوله : ( مسيرة يوم وليلة ) قلت : أشار بهذا إلى أن متابعة هؤلاء ابن أبي ذئب عن سعيد في لفظ المتن لا في ذكر سعيد عن أبيه عن أبي هريرة ، ولكن لم يختلف على يحيى في روايته عن أبي سعيد عن أبيه ، لأن الطحاوي روى هذا الحديث من طريق يحيى ، وفيه : عن أبيه ، حيث قال : حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سعيد عن أبيه أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لامرأة أن تسافر يوما فما فوقه ألاَّ ومعها ذو حرمة ) . وأخرجه أحمد في مسنده : حدثنا حسن حدثنا شيبان عن يحيى عن أبي سعيد أن أباه أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لامرأة أن تسافر يوما فما فوقه إلاَّ ومعها ذو حرمة ) . واختلف في ذلك على سهيل ومالك . أما الاختلاف على سهيل فقال أبو داود : حدثنا يوسف بن موسى عن جرير عن سهيل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة . . الحديث ، وفيه : أن تسافر بريدا . وأخرجه الطحاوي : حدثنا أبو بكرة ، قال : حدثنا أبو عمر الضرير عن حماد بن سلمة ، قال : حدثنا سهيل بن أبي صالح عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسافر امرأة بريدا إلاَّ مع زوج أو ذي محرم ) . وأخرجه البيهقي أيضا نحوه ، فهذه ليس فيها ذكر : عن أبيه ، وروى مسلم : حدثنا أبو كامل الجحدري ، قال حدثنا بشر ، يعني ابن المفضل ، قال : حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لامرأة أن تسافر ثلاثا إلاّ ومعها ذو محرم عليها ) ، فهذا في روايته أبدل سعيدا بأبي صالح ، وخالف في اللفظ أيضا فقال : ( أن تسافر ثلاثا ) ، ويحتمل أن يكون الحديثان معا عند سهيل ، ولذلك صحح ابن حبان الطريقين عنه ، وقال ابن عبد البر : رواية سهيل مضطربة في الإسناد والمتن . وأما الاختلاف على مالك فقد ذكرناه عن قريب ، وقد رأيت الاختلاف الظاهر بين الحفاظ في ذكر أبيه ، فلعله سمع من أبيه عن أبي هريرة ، ثم سمع عن أبي هريرة نفسه ، فرواه تارة كذا وتارة كذا ، وسماعه عن أبي هريرة صحيح . 5 ( ( بابٌ يَقْصُرُ إذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه أن الإنسان يقصر صلاته الرباعية إذا خرج من موضعه قاصدا سفرا تقصر في مثله الصلاة . وَخَرَجَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَصَرَ وَهْوَ يَرَى البُيُوتَ فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ هاذِهِ الكُوفَةُ قال لاَ حَتَّى نَدْخُلَهَا مطابقته للترجمة ظاهرة ، والكلام فيه على أنواع : الأول : في معناه فقوله : ( وخرج علي ) أي : من الكوفة . لأن قوله : ( هذه الكوفة ) يدل عليه . قوله : ( فقصر ) أي : الصلاة الرباعية . قوله : ( وهو يرى البيوت ) جملة حالية أي : والحال أنه يرى بيوت الكوفة . قوله : ( فلما رجع ) أي : من سفره هذا . قوله : ( هذه الكوفة ) يعني : هل نتم الصلاة ؟ قال : لا ، أي : لا نتم حتى ندخلها . النوع الثاني : إن هذا التعليق أخرجه الحاكم موصولاً من رواية الثوري عن وقاء بن إياس ( عن علي بن ربيعة ، قال : خرجنا مع علي ، رضي الله تعالى عنه ، فقصرنا الصلاة ونحن نرى البيوت ، ثم رجعنا فقصرنا الصلاة ونحن نرى البيوت ) .