العيني
125
عمدة القاري
أشار بهذا إلى أن اختياره أن أقل المسافة التي يجوز فيها القصر يوم وليلة ، حاصله أن من خرج من منزله وقصد موضعا إن كان بينه وبين مقصده ذلك مسيرة يوم وليلة يجوز له أن يقصر صلاته الرباعية ، وإن كان أقل من ذلك لا يجوز ، وهذه العبارة رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره : وسمى النبي صلى الله عليه وسلم يوما وليلة سفرا ، وإطلاق السفر على يوم وليلة تجوز ، وكذا إطلاق يوم وليلة على السفر ، وهذا أنسب . يقال : سميت فلانا زيدا ، وقد ذكر في هذا الباب ثلاثة أحاديث : اثنان منها عن ابن عمر والآخر عن أبي هريرة ، وفي حديث أبي هريرة : أقل مدة السفر التي لا يحل للمرأة أن تسافر فيها بدون زوج أو محرم يوم وليلة كما يأتي ذكره . وأشار إلى هذا بقوله : ( وسمى النبي صلى الله عليه وسلم السفر يوما وليلة ) . وقال بعضهم : وتعقب بأن في بعض طرقه : ثلاثة أيام ، كما في حديث ابن عمر ، وفي بعضها : يوم وليلة ، وفي بعضها : يوم ، وفي بعضها : ليلة ، وفي بعضها : بريد . قلت : ليس فيه تعقب لأن المحكي في هذا الباب نحو من عشرين قولاً ، وقد ذكرنا في هذا الباب الصلاة بمنىً ، وأشار بهذا إلى أن أقل المسافة التي اختارها من هذه الأقوال ، يوم وليلة ، ولا يقال المذكور في بعضها يوم فقط بدون ليلة ، لأنا نقول : إذا ذكر اليوم مطلقا يراد به الكامل ، وهو اليوم بليلته ، وكذا إذا أطلقت الليلة بدون ذكر اليوم . وكانَ ابنُ عُمَرَ وابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهم يَقْصُرَانِ ويُفْطِرانِ فِي أرْبَعَةِ بُرُدٍ وَهْيَ سِتَّةَ عشَرَ فَرْسَخا هذا التعليق أسنده البيهقي ، فقال : أخبرنا ابن حامد الحافظ أخبرنا زاهر بن أحمد حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا يوسف بن سعيد بن مسلم حدثنا حجاج حدثني ليث حدثنا يزيد بن أبي حبيب ( عن عطاء بن أبي رباح : أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد ، فما فوق ذلك ) . قال أبو عمر : هذا عن ابن عباس معروف من نقل الثقات متصل الإسناد عنه من وجوه . منها ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء عنه ، وقال ابن أبي شيبة أخبرنا ابن عيينة عن عمر وأخبرني عطاء عنه ، وحدثنا وكيع حدثنا هشام بن الغاز عن ربيعة الجرشي عن عطاء عنه ، وقد اختلف عن ابن عمر في تحديد ذلك اختلافا كثيرا ، فروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن نافع أن ابن عمر كان أدنى ما يقصر الصلاة فيه مال له بخيبر ، وبين المدينة وخيبر ستة وتسعون ميلاً ، وروى وكيع من وجه آخر عن ابن عمر أنه قال : يقصر من المدينة إلى السويداء ، وبينهما اثنان وسبعون ميلاً ، وروى عبد الرزاق عن مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه : أنه سافر إلى ريم فقصر الصلاة . قال عبد الرزاق : وهي على ثلاثين ميلاً من المدينة ، وروى ابن أبي شيبة عن وكيع عن مسعر عن محارب : سمعت ابن عمر يقول : إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر . وقال الثوري : سمعت جبلة بن سحيم ، سمعت ابن عمر يقول : لو خرجت ميلاً لقصرت الصلاة ، وإسناد كل من هذه الآثار صحيح ، وقد اختلف في ذلك على ابن عمر ، وأصح ما روي عنه ما رواه ابنه سالم ونافع أنه : كان لا يقصر إلاّ في اليوم التام أربعة برد ، وفي ( الموطأ ) عن ابن شهاب عن مالك عن سالم عن أبيه : أنه كان يقصر في مسيرة اليوم التام ، وقال بعضهم : على هذا في تمسك الحنفية بحديث ابن عمر ، على أن : أقل مسافة القصر ثلاثة أيام إشكال ، لا سيما على قاعدتهم بأن الاعتبار بما رأى الصحابي لا بما روى . قلت : ليس فيه إشكال ، لأن هذا لا يشبه أن يكون رأيا ، إنما يشبه أن يكون توقيفا على أن أصحابنا أيضا اختلفوا في هذا الباب اختلافا كثيرا ، فالذي ذكره صاحب ( الهداية ) : السفر الذي تتغير به الأحكام أن يقصد الإنسان مسيرة ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل ومشي الأقدام ، وقدر أبو يوسف بيومين وأكثر الثالث ، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ، ورواية ابن سماعة عن محمد ، وقال المرغيناني وعامة المشايخ : قدروها بالفراسخ ، فقيل : أحد وعشرون فرسخا ، وقيل : ثمانية عشر فرسخا . قال المرغيناني : وعليه الفتوى . وقيل خمسة عشر فرسخا . وما ذكره صاحب ( الهداية ) هو مذهب عثمان وابن مسعود وسويد بن غفلة وفي ( التمهيد ) : وحذيفة بن اليمان وأبو قلابة وشريك بن عبد الله وابن جبير وابن سيرين والشعبي والنخعي والثوري والحسن بن حي ، وقد استقصينا الكلام فيه في : باب الصلاة بمنى . قوله : ( وهو ستة عشر فرسخا ) من كلام البخاري أي : البرد ستة عشر فرسخا ، والبرد ، بضم الباء الموحدة : جمع بريد ، وقال ابن سيده : البريد فرسخان . وقيل : ما بين كل منزلين بريد ، وقال صاحب ( الجامع ) : البريد أميال معروفة ، يقال : هو أربعة فراسخ . والفراسخ ثلاثة أميال . وفي ( الواعي ) : البريد سكة من السكك ، كل اثني عشر ميلاً بريد ، وكذا