العيني
12
عمدة القاري
وسقط أيضا قوله : الأصل عدم الوجوب حتى يقوم دليله ، فهذا القائل وقف على دليله ولكن اتبع هواه لغيره ، فالحق أحق أن يتبع ، والجواب عن خبر عبادة أنه إنما كذب الرجل في قوله كوجوب الصلاة ، ولم يقل أحد : أن الوتر واجب كوجوب الصلاة . فإن قلت : قال النجم النسفي صاحب المنظومة . * والوتر فرض وبدا بذكره * في فجره فساد فرض فجره * قلت : معناه : فرض عملاً ، سنة سببا واجب علما . وأما خبر طلحة بن عبيد الله فكأنه قبل وجوب الوتر بدليل أنه لم يذكر فيه الحج ، فدل على أنه متقدم على وجوب الحج ، ولفظة : ( زادكم صلاة ) مشعرة بتأخر وجوب الوتر ، وأما خبر أنس فلا نزاع فيه أنه كان قبل الوجوب ، ومن الدليل على وجوبه ما رواه أبو داود : حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا عيسى عن زكريا عن أبي إسحاق عن عاصم وعن علي ، رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر ) ، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة ، وقال الترمذي : حديث حسن وقوله : ( أوتروا ) أمر ، وهو للوجوب . فإن قلت : قال الخطابي : تخصيصه أهل القرآن بالأمر فيه يدل على أن الوتر غير واجب ، ولو كان واجبا لكان عاما ، وأهل القرآن في عرف الناس هم القراء والحفاظ دون العوام . قلت : أهل القرآن بحسب اللغة يتناول كل من معه شيء من القرآن ولو كان آية ، فيدخل فيه الحفاظ وغيرهم ، على أن القرآن كان في زمنه ، صلى الله عليه وسلم ، مفرقا بين الصحابة : وبهذا التأويل الفاسد لا يبطل مقتضى الأمر الدال على الوجوب ، ولا سيما تأكد الأمر بالوتر بمحبة الله إياه بقوله : ( فإن الله وتر يحب الوتر ) . ومنها : ما أخرجه الطحاوي قال : حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثنا ابن لهيعة والليث عن يزيد ابن أبي حبيب عن عبد الله بن راشد عن عبد الله بن أبي مرة : عن خارجة بن حذافة العدوي ، أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم ، ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الوتر الوتر ، مرتين ) وهذا سند صحيح . فإن قلت : كيف تقول : صحيح ، وفيه ابن لهيعة وفيه مقال ؟ قلت : ذكر ابن لهيعة في هذا وعدم ذكره سواء ، والعمدة على الليث بن سعد ، ولهذا أخرجه الترمذي ولم يذكر ابن لهيعة ، فقال : حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن راشد الزرقي ( عن خارجة بن حذافة ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم : الوتر ، جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر ) . وقال أبو عيسى : حديث خارجة بن حذافة حديث غريب لا نعرفه إلاّ من حديث يزيد بن أبي حبيب ، وقد وهم بعض المحدثين في هذا الحديث ، فقال عبد الله بن راشد الزرقي : وهو وهم . وأخرجه الحاكم في ( مستدركه ) وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه لتفرد التابعي من الصحابي قلت : كأنه يشير إلى أن خارجه تفرد عنه ابن أبي مرة ، وليس كذلك ، فإن أبا عبيد الله محمد بن الربيع الجيزي في ( كتاب الصحابة ) تأليفه ، روى عنه أيضا عبد الرحمن بن جبير ، قال : ولم يرو عنه غير أهل مصر ، وقال أبو زيد في ( كتاب الأسرار ) : هو حديث مشهور ، ولما أخرجه أبو داود سكت عنه ، ومن عادته إذا سكت عن حديث أخرجه يدل على صحته عنده ورضاه به ، فإن قلت : أعل ابن الجوزي في التحقيق هذا الحديث بعبد الله بن راشد ، ونقل عن الدارقطني أنه ضعفه ، وقال البخاري : لا نعرف لإسناد هذا الحديث سماع بعضهم من بعض . قلت : عبد الله بن راشد وثقه ابن حبان والحاكم ، والدارقطني أخرج حديثه هذا ولم يتعرض إليه بشيء ، وإنما تعرض للحديث الذي أخرجه عن ابن عباس ، فقال : حدثنا الحسين بن إسماعيل حدثنا محمد بن خلف حدثنا أبو يحيى الحماني عبد الحميد حدثنا النضر أبو عمر عن عكرمة ( عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم يرى البشر والسرور في وجهه ، فقال : إن الله أمدكم بصلاة وهي الوتر ) . النضر أبو عمر الخراز ضعيف ، وهذا الحديث مما يقوي حديث خارجة المذكور ويزيده قوة في صحته . فإن قلت : قال الخطابي . قوله : ( أمدكم بصلاة ) ، يدل على أنها غير لازمة لهم ، ولو كانت واجبة لخرج الكلام فيه على صيغة لفظ الإلزام ، فيقول : ألزمكم ، أو : فرض عليكم أو نحو ذلك وقد روى أيضا في الحديث : ( إن الله قد زادكم صلاة لم تكونوا تصلونها قبل ذلك على تلك الصورة والهيئة وهي الوتر ) . قلت : لا نسلم أن قوله : ( أمدكم بصلاة ) ، يدل على أنها غير لازمة ، بل يدل على أنها لازمة ، وذلك لأنه ، صلى الله عليه وسلم ، نسب ذلك إلى الله تعالى ، فلا يكون ذلك إلاّ واجبا . وتعيين العبارة ليس بشرط في الوجوب قوله : ومعناه