العيني

8

عمدة القاري

له : أعلى تشجع : قوله : ( أما والله ) ، بتخفيف الميم حرف استفتاح . قوله : ( لأدعون ) ، اللام فيه للتأكيد ، وكذلك نون التأكيد المثقلة أي : لأدعون عليك بثلاث دعوات . قوله : ( قام ) أي : في هذه القضية . قوله : ( وسمعة ) ، بضم السين أي : ليراه الناس ويسمعون ويشهدون ذلك عنه ، ليكون له بذلك ذكر . قوله : ( فأطل عمره ) مراده أن يطول في غاية بحيث يرد إلى أسفل السافلين ويصير إلى أرذل العمر ، ويضعف قواه وينتكس في الخلق محنة لا نعمة ، أو مراده : طول العمر مع طول الفقر ، وهذا أشد ما يكون في الرجل ، ويحصل الجواب بذلك عما قيل : الدعاء بطول العمر دعاء له لا دعاء عليه . قوله : ( وأطل فقره ) وفي رواية جرير : ( وشد فقره ) ، وفي رواية سيف : ( وأكثر عياله ) . وهذه الحالة بئست الحالة وفي : طول العمر مع الفقر وكثرة العيال . قوله : ( وعرضه للفتن ) أي : اجعله عرضة للفتن ، أو أدخله في معرضها أي : أظهره بها . والحكمة في هذه الدعوات الثلاث أن أسامة بن قتادة المذكور نفى عن سعد الفضائل الثلاث التي هي أصول الفضائل وأمهات الكمالات ، وهي : الشجاعة التي هي القوة الغضبية حيث قال : لا يسير بالسرية ، والعفة : التي هي كمال القوة الشهوانية ، حيث قال : لا يقسم بالسرية ، والحكمة : التي هي كمال القوة العقلية ، حيث قال : ولا يعدل في القضية ، فالثلاثة تتعلق بالنفس والمال والدين ، فقابل سعد هذه الثلاثة بثلاثة مثلها ، فدعا عليه بما يتعلق بالنفس : وهو طول العمر ، وبما يتعلق بالمال : وهو الفقر ، وبما يتعلق بالدين : وهو الوقوع في الفتن . ثم إعلم أنه كان يمكن الاعتذار عن قوله : ( ولا ينفر بالسرية ) بأن يقال : رأى المصلحة في إقامته ليرتب مصالح من يغزو ومن يقيم ، أو كان له عذر مانع من ذلك ، كما وقع له في القادسية ، وكذا يمكن الاعتذار عن قوله : ( ولا يقسم بالسوية ) ، بأن يقال : إن للإمام تفضيل بعض الناس بشيء يختص به لمصلحة يراها في ذلك ، وأما قوله : ( ولا يعدل في القضية ) فلا خلاص عنه ، لأنه سلب عنه العدل بالكلية ، وذلك قدح في الدين . قوله : ( فكان بعد ) ، ويروى : ( وكان بعد ) ، بالواو أي : كان أسامة بعد ذلك ، قيل : هذا عبد الملك بن عمير ، بينه جرير في روايته . قوله : ( إذا سئل ) ، على صيغة المجهول أي : إذا سئل أسامة عن حال نفسه ، وفي رواية ابن عيينة إذا قيل له : كيف أنت ؟ يقول : أنا شيخ كبير مفتون . فقوله : شيخ كبير خبر مبتدأ محذوف ، وهو : أنا ، كما قلنا ، و : كبير ، صفته ، وقوله : مفتون ، صفة بعد صفة . فقوله : شيخ كبير ، إشارة إلى الدعوة الأولى ، ومفتون ، إلى الدعوة الثالثة ، وإنما لم يشر إلى الدعوة الثانية وهي قوله : ( وأطل فقره ) ، لأنها تدخل في عموم قوله : ( أصابتني دعوة سعد ) ، وقد صرح بذلك في رواية الطبراني من طريق أسد بن موسى ، وفي رواية أبي يعلى : عن إبراهيم بن حجاج كلاهما عن أبي عوانة ، ولفظه : ( قال عبد الملك : فأنا رأيته يتعرض للإماء في السكك ، فإذا سألوه قال : كبير فقير مفتون ) . وفي رواية إسحاق عن جرير : ( فافتقر وافتتن ) . وفي رواية : ( فعمي واجتمع عنده عشر بنات ، وكان إذا سمع بحسن المراة تشبث بها ، فإذا أنكر عليه قال : دعوة المبارك سعد ) . وفي رواية ابن عيينة : ( ولا تكون فتنة إلاّ وهو فيها ) . وفي رواية محمد بن حجادة : عن مصعب ابن سعد في هذه القصة ، قال : وأدرك فتنة المختار ، فقتل فيها . وعند ابن عساكر : وكانت فتنة المختار حين غلب على الكوفة من سنة خمس وستين إلى أن قتل سنة سبع وسبعين . قوله : ( أصابتني دعوة سعد ) إنما أفرد الدعوة ، مع أنها كانت ثلاث دعوات ، لأنه أراد بها الجنس ، فكان سعد معروفا بإجابة الدعوة . روى الطبراني من طريق الشعبي قال : ( قيل لسعد : متى أصبت الدعوة ؟ قال : يوم بدر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم استجب لسعد ) ، وروى الترمذي وابن حبان والحاكم من طريق قيس بن أبي حازم عن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اللهم استجب لسعد إذا دعاك ) . قوله : ( من الكبر ) ، بكسر الكاف وفتح الباء الموحدة ، قوله : ( وإنه ) أي : إن أسامة المذكور . قوله : ( يغمزهن ) ، أي : يعصر أعضاءهن بالأصابع ، وفيه أيضا إشارة إلى الفتنة ، وإلى الفقر أيضا إذ لو كان غنيا لما احتاج إلى غمز الجواري في الطرق . : ذكر ما يستنبط منه : وهو على وجوه : : الأول : وجوب القراءة في الركعتين الأوليين من الصلوات وعدم وجوبها في الأخريين ، واستدل بعض أصحابنا لأبي حنيفة ، ومن قال بقوله في عدم وجوب القراءة في الأخريين بالحديث المذكور ، وعن هذا قال صاحب ( الهداية ) وغيره : إن شاء قرأ في الأخريين وإن شاء سبح وإن شاء سكت ، وهو المأثور عن علي وابن مسعود وعائشة ، إلا أن الأفضل أن يقرأ . وقال أصحابنا : المصلي مأمور بالقراءة بقوله تعالى : : * ( فاقرأوا ما تيسر منه ) * ( المزمل : 20 ) . والأمر