العيني
58
عمدة القاري
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إما نسيناها وإما تركناها عمدا ) . قوله : ( صلاة ) بالنصب مفعول : ذكر ، قوله : ( كنا نصليها ) ، جملة في محل النصب على أنها صفة لقوله : ( صلاة ) . قوله : ( كلما رفع وكلما وضع ) يعني : في جميع الانتقالات ، ولكن خص منه الرفع من الركوع بالإجماع ، فإنه شرع فيه التحميد . ذكر ما يستفاد منه : فيه : أن التكبير في كل خفض ورفع ، وإليه ذهب عطاء بن أبي رباح والحسن البصري ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم ، ويحكى ذلك عن ابن مسعود وأبي هريرة وجابر وقيس بن عبادة وآخرين ، وكان عمر بن عبد العزيز ومحمد بن سيرين والقاسم وسالم بن عبد الله وسعيد بن جبير وقتادة لا يكبرون في الصلاة إذا خفضوا . وقال ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : حدثنا أبو داود عن شعبة عن الحسن بن عمران أن عمر بن عبد العزيز كان لا يتم التكبير . حدثنا يحيى بن سعيد ( عن عبيد الله بن عمر ، قال : صليت خلف القاسم وسالم فكانا لا يتمان التكبير ) . حدثنا غندر عن شعبة عن عمر بن مرة ، قال : ( صليت مع سعيد بن جبير فكان لا يتم التكبير ) . حدثنا عبدة بن سليمان عن مسعر عن يزيد الفقير ، قال : كان ابن عمر ينقص التكبير في الصلاة . وقال مسعر : إذا انحط بعد الركوع للسجود لم يكبر فإذا أراد أن يسجد الثانية لم يكبر ، ويحكى عن عمر بن الخطاب أيضا . وأخرج عبد الرزاق في ( مصنفه ) : عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي الوليد قال : أخبرني شعبة بن الحجاج عن رجل عن ابن أبزي عن أبيه أن عمر بن الخطاب أمهم فلم يكبر هذا التكبير ، ويحكى عن ابن عباس أيضا . وأخرج عبد الرزاق بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن يزيد ، قال : صليت مع ابن عباس بالبصرة فلم يكبر هذا التكبير بالرفع والخفض . قلت : المشهور عن هؤلاء التكبير في الخفض والرفع ، وروايات هؤلاء محمولة على أنهم تركوه أحيانا بيانا للجواز ، أو الراوي لم يسمع ذلك منهم لخفا الصوت ، وكانت بنو أمية يتركون التكبير في الخفض وهم مثل معاوية وزياد وعمر بن عبد العزيز . قال ابن أبي شيبة : حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم قال : أول من نقص التكبير زياد ، وقال الطبري : إن أبا هريرة سئل : مَن أول من ترك التكبير إذا رفع رأسه وإذا وضعه ؟ قال : معاوية . وقال أبو عبد الله العدني في ( مسنده ) : حدثنا بشر بن الحارث حدثنا إسرائيل عن ثوير عن أبيه عن عبد الله قال : أول من نقص التكبير الوليد بن عقبة ، فقال عبد الله : نقصوها نقصهم الله ، فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يكبر كلما ركع وكلما سجد وكلما رفع رأسه ، وعن بعض السلف : انه كان لا يكبر سوى تكبيرة الإحرام ، وفرق بعضهم بين المنفرد وغيره . . فإن قلت : ما تقول في حديث عبد الرحمن بن أبزي الخزاعي : ( أنه صلى مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وكان لا يتم التكبير ) ؟ رواه أبو داود والطحاوي ؟ قلت : قالوا : إنه ضعيف ومعلول بالحسن بن عمران أحد رواته . قال الطبري : هو مجهول لا يجوز الاحتجاج به . وقال البخاري في ( تاريخه ) ، عن أبي داود الطيالسي : إنه حديث باطل ، وقد ذكرناه عن قريب فإن قلت : شكوت أبي داود والطحاوي يدل على الصحة عندهما ؟ قلت : ولئن سلمنا صحته فالجواب ما ذكرناه عن قريب ، وتأوله الكرخي على حذفه ، وذلك نقصان صفة عدد ، وأجاب الطحاوي : أن الآثار المتواترة على خلافه ، وأن العمل على غيره . فإن قلت : تكبيرة الانتقالات سنة أم واجبة ؟ قلت : اختلفوا فيه ، فقال قوم : هي سنة ، قال ابن المنذر : وبه قال أبو بكر الصديق وعمر وجابر وقيس بن عبادة والشعبي والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ومالك والشافعي وأبو حنيفة ، ونقله ابن بطال أيضا عن عثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير ومكحول والنخعي وأبي ثور ، وقالت الظاهرية وأحمد في رواية : كلها واجبة . وقال أبو عمر : قد قال قوم من أهل العلم : إن التكبير أنما هو أذن بحركات الإمام وشعار الصلاة وليس بسنة إلاّ في الجماعة ، فأما من صلى وحده فلا بأس عليه أن يكبر . وقال سعيد بن جبير : إنما هو شيء يزين به الرجل صلاته ، وقال ابن حزم في ( المحلى ) : والتكبير للركوع فرض ، وقول : سبحان ربي العظيم في الركوع فرض ، والقيام إثر الركوع فرض لمن قدر عليه حتى يعتدل قائما ، وقول : سمع الله لمن حمده ، عند القيام من الركوع فرض ، فإن كان مأموما ففرض عليه أن يقول بعد ذلك ، ربنا لك الحمد ، أو : ولك الحمد ، وليس هذا فرضا على إمام ولا فذ ، فإن قالاه كان حسنا وسنة ، والتكبير لكل سجدة منها فرض ، وقول : سبحان ربي الأعلى ، في كل سجدة فرض ، ووضع الجبهة واليدين والأنف والركبتين وصدور القدمين على ما هو قائم عليه مما أبيح له التصرف عليه فرض ، كل ذلك ، والجلوس بين السجدتين فرض ، والطمأنينة فيه فرض ، والتكبير