العيني
53
عمدة القاري
أصلاً ، فكيف يقول : فكان الظاهر الاتفاق في الصفة . والحديث لا يدل على ذات التأمين عن الإمام ؟ فكيف يطلب الاتفاق في الصفة وهي مبنية على الذات ؟ وقال ابن بطال : قد تقدم أن الإمام يجهر ، وتقدم أن المأموم مأمور بالاقتداء به ، فلزم من ذلك جهره بجهر قلت : هذا أبعد من الكل ، والملازمة ممنوعة ، فعلى ما قاله يلزم أن يجهر المأموم بالقراءة ، ولم يقل به أحد ، والكرماني أيضا ذكر هذا الوجه ، فكأنه أخذه من ابن بطال فبطل عليه ، ويمكن أن يوجه وجه لمناسبة الحديث للترجمة ، وهو أن يقال : أما ظاهر الحديث فإنه يدل على أن المأموم يقولها ، وهذا لا نزاع فيه ، وأما أنه يدل على جهره بالتأمين ، فلا يدل . ولكن يستأنس له بما ذكره قبل ذلك ، وهو قوله : ( أمن ابن الزبير ) ، إلى قوله : ( خيرا ) . ذكر رجاله : وهم خمسة قد مضى ذكرهم غير مرة ، و : سمي ، بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف : مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ، وأبو صالح : ذكوان الزيات . ذكر لطائف إسناده : وفيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد . وفيه : العنعنة في أربعة مواضع . وفيه : أن رواته كلهم مدنيون . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : قد ذكرنا في : باب جهر الإمام والناس بالتأمين ، أن مسلما وأبا داود والترمذي والنسائي أخرجوه ، وكذلك ذكرنا جميع ما يتعلق به هناك . وقال الخطابي : هذا لا يخالف ما قال : إذا أمن الإمام فأمنوا ، لأنه نص بالتعيين مرة ، ودل بالتقدير أخرى ، فكأنه قال : إذا قال الإمام : * ( ولا الضالين ) * وأمن ، فقولوا : آمين . ويحتمل أن يكون الخطاب في حديث أبي صالح يعني حديث هذا الباب لمن تباعد من الإمام ، فكان بحيث لا يسمع التأمين لأن جهر الإمام به أخفض من قراءته على كل حال فقد يسمع قراءته من لا يسمع تأمينه إذا كثرت الصفوف وتكاثفت الجموع . قلت : ذكر الخطابي الوجهين المذكورين بالاحتمال الذي لا يدل عليه ظاهر ألفاظ الحديثين ، فإن كان يؤخذ هذا بالاحتمال ، فنحن أيضا نقول : يحتمل أن الجهر فيه لأجل تعليمه الناس بذلك ، لأنا لا ننازع في استحباب التأمين للإمام وللمأموم ، وإنما النزاع في الجهر به ، فنحن اخترنا الإخفاء لأنه دعاء ، والسنة في الدعاء الإخفاء ، والدليل على أنه دعاء قوله تعالى في سورة يونس : * ( قد أجيبت دعوتكما ) * ( يونس : 89 ) . قال أبو العالية وعكرمة ومحمد بن كعب والربيع بن موسى : كان موسى صلى الله عليه وسلم يدعو وهارون يؤمن ، فسماهما الله تعالى : داعيين ، فإذا ثبت أنه دعاء فإخفاؤه أفضل من الجهر به ، لقوله تعالى : * ( ادعوا ربك تضرعا وخفية ) * ( الأعراف : 55 ) . على أنا ذكرنا أخبارا وآثارا فيما مضى تدل على الإخفاء . فإن قلت : تظاهرت الأحاديث بالجهر . منها : ما رواه الطبري في ( التهذيب ) من حديث علي ، رضي الله تعالى عنه : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قال * ( ولا الضالين ) * قال آمين ، ومد بها صوته ) ، ومنها : ما رواه البيهقي في ( المعرفة ) : ( عن ابن أم الحصين عن أمه : أنها صلت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول : آمين ، وهي في صف النساء ) . قلت : كذلك تظاهرت الآثار بالإخفاء ، كما ذكرنا ، وحديث الطبري فيه ابن أبي ليلى ، وهو ممن لا يحتج به ، والمعروف عنه أيضا بخلافه ، وحديث ابن ماجة أيضا ، قال البزار في ( سننه ) : هذا حديث لم يثبت من جهة النقل ، وحديث أم الحصين يعارضه حديث وائل : ( أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قال : * ( ولا الضالين ) * قال : آمين ، وخفض بها صوته ) ، والرجال أدرى بحال النبي صلى الله عليه وسلم من النساء ، وقال النووي : في هذا الحديث دلالة ظاهرة على أن تأمين المأموم يكون مع تأمين الإمام لا بعده . قلت : بل الأمر بالعكس ، لأن الفاء في الأصل للتعقيب ، وقال أيضا : وأولوا : إذا أمن ، بأن معناه : إذا أراد التأمين ، جمعا بين الحديثين . قلت : لا خلاف بين الحديثين حتى يحتاج إلى هذا التأويل الذي هو خلاف الظاهر ، لأن كلاً منهما ورد في حالة ، لأنه في حالة أمر المأموم بالتأمين وسكت عن تأمين الإمام ، وفي حالة بيَّن أن الإمام أيضا يؤمن ، والمقصود استحباب التأمين للإمام وللمأموم ، وثبت ذلك بالحديثين المذكورين . فافهم . تابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍ وعنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أي : تابع سميا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي ، وأخرج هذه المتابعة البيهقي عن أبي طاهر الفقيه : أخبرنا أبو بكر القطان حدثنا أحمد بن منصور المروزي حدثنا النضر بن شميل أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :