العيني
51
عمدة القاري
خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما افتتح الصلاة كبر . . . ) الحديث ، وفيه : ( فلما فرغ من الفاتحة قال : آمين ، يرفع بها صوته ) . وروى أبو داود وابن ماجة عن بشر بن رافع عن عبد الله ابن عم أبي هريرة ، قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا * ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) * قال : آمين ، حتى يسمع من الصف الأول ) ، وزاد ابن ماجة : ( فيرتج بها المسجد ) . ورواه ابن حبان في ( صحيحه ) والحاكم في ( مستدركه ) وقال : على شرط الشيخين ، ورواه الدارقطني في ( سننه ) وقال : إسناده صحيح . قلت : الذي رواه أبو داود والترمذي عن سفيان يعارضه ما رواه الترمذي أيضا عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن حجر أبي العنبس عن علقمة بن وائل عن أبيه ، وقال فيه : ( وخفض بها صوته ) . فإن قلت : قال الترمذي : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : حديث سفيان أصح من حديث شعبة ، وأخطأ شعبة في مواضع ، فقال حجر أبي العنبس : وإنما هو حجر بن العنبس ، ويكنى أبا السكن ، وزاد فيه علقمة ، وإنما هو حجر عن أبي وائل ، وقال : خفض بها صوته ، وإنما هو : مد بها صوته قلت : تخطئه مثل شعبة خطأ ، وكيف وهو أمير المؤمنين في الحديث ؟ وقوله : ( هو حجر بن العنبس ) ، وليس بأبي العنبس ، ليس كما قاله ، بل هو أبو العنبس حجر بن العنبس ، وجزم به ابن حبان في ( الثقات ) ، فقال : كنيته كاسم أبيه ، وقول محمد : يكنى أبا السكن ، لا ينافي أن تكون كنيته أيضا أبا العنبس ، لأنه لا مانع أن يكون لشخص كنيتان . وقوله : ( وزاد فيه علقمة ) ، لا يضر ، لأن الزيادة من الثقة مقبولة ، ولا سيما من مثل شعبة . وقوله : وقال : وخفض بها صوته وإنما هو ومد بها صوته ، يؤيد ما رواه الدارقطني عن وائل بن حجر قال : ( صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته حين قال * ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) * قال : آمين ، فأخفى بها صوته ) فإن قلت : قال الدارقطني : وهم شعبة فيه لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة بن كهيل فقالوا : ورفع بها صوته ، وهو الصواب ، وطعن صاحب ( التنقيح ) في حديث شعبة هذا بأنه : قد روي عنه خلافه ، كما أخرجه البيهقي في ( سننه ) عن أبي الوليد الطيالسي : حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل سمعت حجرا أبا العنبس يحدث ( عن وائل الحضرمي أنه : صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلما قال : * ( ولا الضالين ) * قال : آمين ، رافعا صوته ) ، قال : فهذه الرواية توافق رواية سفيان . وقال البيهقي في ( المعرفة ) إسناد هذه الرواية صحيح ، وكان شعبة يقول : سفيان أحفظ . وقال يحيى بن معين : إذا خالف شعبة قول سفيان فالقول قول سفيان : قال : وقد أجمع الحفاظ : البخاري وغيره ، أن شعبة أخطأ قلت : قول الدارقطني : وهم شعبة ، يدل على قلة اعتنائه بكلام هذا القائل وإثبات الوهم له ، لكونه غير معصوم موجود في سفيان ، فربما يكون هو وهم ، ويمكن أن يكون كلا الإسنادين صحيحا . وقد قال بعض العلماء : والصواب أن الخبرين بالجهر بها وبالمخافتة صحيحان ، وعمل بكل منهما جماعة من العلماء . فإن قلت : قال ابن القطان في كتابه هذا : الحديث فيه أربعة أمور : اختلاف سفيان وشعبة في اللفظ وفي الكنية . وحجر لا يعرف حاله . واختلافهما أيضا حيث جعل سفيان من رواية حجر عن علقمة بن وائل عن وائل . قلت : الجواب عن الأول : لا يضر اختلا سفيان وشعبة ، لأن كلا منهما إمام عظيم الشأن ، فلا تسقط رواية أحدهما بروية الآخر ، وما يقال من الوهم في أحدهما يصدق في الآخر ، فلا ينتج من ذلك شيء . وعن الثاني : أيضا ، لا يضر الاختلاف المذكور في الاسم والكنية ، كما شرحناه الآن . وعن الثالث : أنه ممنوع ، وكيف لا يعرف حاله وقد ذكره البغوي وأبو الفرج وابن الأثير وغيرهم في جملة الصحابة ، ولئن نزلناه من رتبة الصحابة إلى رتبة التابعين فقد وجدنا جماعة أثنوا عليه ووثقوه ، منهم : الخطيب أبو بكر البغدادي . قال : صار مع علي ، رضي الله تعالى عنه ، إلى النهروان وورد المدائن في صحبته ، وهو ثقة احتج بحديثه غير واحد من الأئمة ، وذكره ابن حبان في ( الثقات ) ، وقال ابن معين : كوفي ثقة مشهور . وعن الرابع : إن دخول علقمة في الوسط ليس بعيب لأنه سمعه من علقمة أولاً بنزول ، ثم رواه عن وائل بعلوِّ ، بين ذلك الكجي في ( سننه الكبير ) . وأما حديث أبي هريرة ففي إسناده بشر بن رافع الحارثي ، وقد ضعفه البخاري والترمذي والنسائي وأحمد وابن معين ، وقال ابن القطان في كتابه : بشر بن رافع أبو الأسباط الحارثي ضعيف ، وهو يروي هذا الحديث عن عبد الله ابن عم أبي هريرة ، وأبو عبد الله هذا لا يعرف له حال ، ولا روى عنه غير بشر ، والحديث لا يصح من أجله ، فسقط بذلك قول الحاكم : على شرط الشيخين ، وتحسين الدارقطني إياه . واحتج أصحابنا أيضا بما رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار : حدثنا أبو حنيفة حدثنا حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال : ( أربع