العيني

45

عمدة القاري

السلمي أنه أتى عبد الله بن مسعود ، رضي الله تعالى عنه ، فقال : قرأت المفصل الليلة في ركعة . فقال : أهذَّا مثل هذا الشعر ؟ أو نثرا مثل نثر الدقل ؟ وإنما فصل لتفصلوه ، لقد علمنا النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن عشرين سورة الرحمن والنجم ، على تأليف ابن مسعود كل سورتين في ركعة ، وذكر الدخان وعم يتساءلون في ركعة ، فقلت لإبراهيم : أرأيت ما دون ذلك كيف أصنع ؟ قال : ربما قرأت أربعا في ركعة . انتهى . وهذا ينادي بأعلى صوته : إن المراد من النظائر السور المتقاربة في المقدار لا في المعاني ، لأن ذكر فيه الرحمن والنجم ، وهما متقاربان في المقدار ، لأن الرحمن ست وسبعون آية . والنجم ثنتان وستون آية ، وهي قريبة من سورة الرحمن في كونهما من النظائر . وكذا ذكر فيه الدخان وعم يتساءلون فإنهما أيضا متقاربان في المقدار ، فإن الدخان سبع أو تسع وخمسون آية ، وعم يتساءلون أربعون أو إحدى وأربعون آية . وقوله : ( فقلت لإبراهيم : أرأيت ما دون ذلك كيف أصنع ؟ ) معناه : ما دون السور الأربع المذكورة في المقدار ، وهو الطول والقصر ، وكيف أصنع ؟ قال : ربما قرأت أربعا ، أي : أربع سور من السور التي هي أقصر في المقدار من السور المذكورة التي هي : الرحمن والنجم والدخان وعم يتساءلون . قوله : ( على تأليف ابن مسعود ) ، أراد به أن سورة النجم كان بحذاء سورة الرحمن في مصحف ابن مسعود ، بخلاف مصحف عثمان . قوله : في لفظه أي : البخاري يقرن بينهن أي : بين النظائر ، و : يقرن ، بضم الراء وكسرها . قوله : ( فذكر عشرين سورة ) أي : فذكر ابن مسعود عشرين سورة التي هي النظائر ، ولكن لم يفسرها ههنا ، وقد فسرها في رواية أبي داود ، قال : حدثنا عباد بن موسى حدثنا إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود ، قالا : أتى ابن مسعود رجل فقال : إني أقرأ المفصل في ركعة . فقال : أهذّا كهذا الشعر ونثرا كنثر الدقل ؟ لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرن النظائر : السورتين في ركعة الرحمن والنجم في ركعة ، واقتربت والحاقة في ركعة ، والذاريات والطور في ركعة ، والواقعة والنون في ركعة وسأل والنازعات في ركعة وويل للمطففين وعبس في ركعة والمدثر والمزمل في ركعة وهى أتى ولا أقسم في ركعة ، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة . وإذا الشمس كورت والدخان في ركعة . فإن قلت : الدخان ليست من المفصل ، فكيف عدها من المفصل ؟ قلت : فيه تجوز ، فلذلك قال في ( فضائل القرآن من رواية وأصل ) : عن أبي وائل ثماني عشرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم ، حيث أخرج الدخان من المفصل ، والتقدير فيه : وسورتين إحداهما من آل حم حتى لا يشكل هذا أيضا . ذكر ما يستفاد منه : فيه : النهي عن الهذ . وفيه : الحث على الترسل والتدبر ، وبه قال جمهور العلماء ، وقال القاضي : وأباحت طائفة قليلة الهذ . وفيه : جواز تطويل الركعة الأخيرة على ما قبلها والأولى التساوي فيهما إلاّ في الصبح ، فالأفضل فيه تطويل الركعة الأولى على الثانية ، وقد ذكرناه مع الخلاف فيه . وفيه : جواز الجمع بين السور لأنه إذا جاز الجمع بين السورتين فكذلك يجوز بين السور ، والدليل عليه حديث عائشة حين سألها عبد الله بن شقيق : ( أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين السور ؟ قالت : نعم من المفصل ) . ولا يخالف هذا ما جاء في التهجد : أنه جمع بين البقرة وغيرها من الطوال ، لأنه كان نادرا . وقال عياض ، في حديث ابن مسعود : هذا يدل على أن هذا القدر كان قدر قراءته غالبا ، وأما تطويله فإنما كان في التدبر والترسل ، وأما ما ورد غير ذلك من قراءة البقرة وغيرها في ركعة فكان نادرا . وقال بعضهم : ليس في حديث ابن مسعود ما يدل على المواظبة ، بل فيه أنه كان يقرن بين هذه السور المعينات إذا قرأ من المفصل . انتهى . قلت : آخر كلامه ينقض أوله ، لأن لفظة : كان ، تدل على الاستمرار ، وهو يدل على المواظبة . وقال الكرماني : وفيه : دليل على أن صلاته صلى الله عليه وسلم من الليل كانت عشر ركعات ، وكان يوتر بواحدة . قلت : لا نسلم أن ظاهر الحديث يدل على هذا ، ولئن سلمنا ما قاله ، ولكن من أين يدل على أن وتره كان ركعة واحدة ؟ بل كان ثلاث ركعات ، لأنه كان يصلي ثمان ركعات ركعتين ركعتين ثم يصلى ثلاث ركعات ركعات أخرى بتسليمة واحدة في آخرهن ، فهذه هي وتره ، صلى الله عليه وسلم ، وسيجئ تحقيق هذا في أبواب الوتر إن شاء الله تعالى . 107 ( ( بابٌ يَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ ) ) أي : هذا باب ترجمته يقرأ المصلي في الركعتين الأخريين من ذوات الأربع بفاتحة الكتاب ولا يزيد عليها ، وقال بعضهم :