العيني

39

عمدة القاري

الآثار أنه كان يجهر في أولى العشاء والمغرب وفي الصبح ، فناسب الحديث الترجمة من حيث إن الفجر داخل في الذي جهر فيه . ومما يؤكد ما قلنا قول ابن عباس في آخر الحديث : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) ، لأنه قد ثبت بالروايات أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في الصبح جهرا ، فهو كان مأمورا بالجهر ، ونحن مأمورون بالأسوة به ، فبين لنا الجهر ، وهو المطلوب . فإن قلت : قال الإسماعيلي : إيراد حديث ابن عباس ههنا يغاير ما تقدم من إثبات القراءة في الصلاة ، لأن مذهب ابن عباس ترك القراءة في السرية قلت : لا نسلم المغايرة المذكورة ، بل إيراد هذا الحديث يدل على إثبات ذلك ، لأنه احتج على ما ذكره في صدر الحديث بما ذكره في آخره من وجوب الإيتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما ورد عنه ، وقد ورد عنه الجهر والإسرار ، على أنه قد روى عنه أبو العالية البراء ثبوت القراءة في الظهر والعصر ، على خلاف ما روي عنه من نفي القراءة فيهما ، وقد ذكرناه مستقصىً فيما مضى . ذكر رجاله : وهم خمسة : الأول : مسدد . الثاني : إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية . الثالث : أيوب السختياني . الرابع : عكرمة ، مولى ابن عباس . الخامس : عبد الله بن عباس . ذكر لطائف إسناده : وفيه : التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع . وفيه : العنعنة في موضعين . وفيه : القول في ثلاثة مواضع . وفيه : أن رواته ما بين بصري وكوفي ومدني . . وهذا الحديث من أفراد البخاري . ذكر معناه : قوله : ( فيما أمر ) ، بضم الهمزة ، والآمر هو الله تعالى . قوله : ( نسيا ) بفتح النون وكسر السين وتشديد الياء ، وأصله : نسي ، بياءين ، على وزن : فعيل : ، فأدغمت الياء في الياء ، وفعيل هنا بمعنى : فاعل ، أي : وما كان ربك نسيا ، أي : تاركا ، لأن النسيان في اللغة الترك ، قاله أبو عبيدة ، قال الله تعالى : * ( نسوا الله فنسيهم ) * ( التوبة : 67 ) . وقال تعالى : * ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) * ( البقرة : 237 ) . وقال الكرماني : فإن قلت : هذا الكلام من أي الأساليب ؟ إذ النسيان ممتنع على الله تعالى ؟ قلت : هو من أسلوب التجوز ، أطلق الملزوم وأراد اللازم ، إذ نسيان الشيء مستلزم لتركه . انتهى . قلت : هذا الذي قاله إنما يمشي إذا كان من النسيان الذي هو خلاف الذكر على ما لا يخفى . وقال أيضا : لِمَ ما قلت : إنه كناية ؟ ثم أجاب بأن شرط الكناية إمكان إرادة معناه الأصلي ، وهنا ممتنع ، وشرطها أيضا المساواة في اللزوم ، وههنا الترك ليس مستلزما للنسيان ، إذ قد يكون الترك بالعمد . هذا عند أهل المعاني . وأما عند الأصولي فالكناية أيضا نوع من المجاز . قلت : على ما ذكره أهل الأصول يجوز الوجهان ، وقال الخطابي : لو شاء لله أن يترك بيان أحوال الصلاة وأقوالها حتى يكون قرآنا متلوا لفعل ، ولم يتركه عن نسيان ، ولكنه وكل الأمر في ذلك لنبيه صلى الله عليه وسلم ، ثم أمرنا بالاقتداء به ، وهو معنى قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم : * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * ( النحل : 44 ) . ولم تختلف الأمة في أن أفعاله التي هي بيان مجمل الكتاب واجبة ، كما لم يختلفوا في أن أفعاله التي هي من نوم وطعام وشبههما غير واجبة ، وإنما اختلفوا في أفعاله التي تتصل بأمر الشريعة مما ليس ببيان مجمل الكتاب ، فالذي يختار إنها واجبة قوله : ( أسوة ) ، بضم الهمزة وكسرها ، قرىء بهما ، ومعناها : القدوة . 106 ( ( بابُ الجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ والقِرَاءَةِ بالخَوَاتِيمِ وبِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ وَبِأوَّلِ سُورَةٍ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم الجمع بين السورتين في الركعة الواحدة من الصلاة ، وفي بيان قراءة الخواتيم ، أي : خواتيم السور أي : أواخرها ، وفي بيان حكم قراءة سورة قبل سورة ، وهو أن يجعل سورة متقدمة على الأخرى في ترتيب المصحف ، متأخرة في القراءة . وهذا أعم من أن تكون في ركعة أو ركعتين . قوله : ( وبأول سورة ) ، أي : وبالقراءة بأول سورة ، هذه الترجمة تشتمل على أربعة أجزاء ، قد ذكر للثلاثة منها ما يطابقها من الحديث والأثر ، ولم يذكر شيئا للجزء الثاني ، وهو قوله : ( والقراءة بالخواتيم ) ، قال بعضهم : وأما القراءة بالخواتيم فتؤخذ من إلحاق القراءة بالأوائل ، والجامع بينهما أن كلاهما بعض سورة . قلت : الأولى أن يؤخذ ذلك من قول قتادة : كلٌّ كتاب الله ، سبحانه وتعالى .