العيني
27
عمدة القاري
في أصحابه صلاة المغرب فسمعته يقول : * ( إن عذاب ربك لواقع ) * ( الطور : 7 ) . فكأنما صدع قلبي ، فلما فرغ كلمته فيهم فقال شيخ : لو كان أتاني لشفعته فيهم ) . يعني : أباه مطعم بن عدي ، فهذا هشيم قد روى هذا الحديث عن الزهري ، فبين القصة على وجهها ، وأخبر أن الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم هو قوله عز وجل : * ( إن عذاب ربك لواقع ) * ( الطور : 7 ) . فبين هذا أن قوله في الحديث الأول : ( قرأ بالطور ) إنما هو ما سمعه يقرؤه منها ، وليس لفظ جبير إلاّ ما روى هشيم ، لأنه ساق القصة على وجهها ، فصار ما حكى فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم هو قراءته : * ( إن عذاب ربك لواقع ) * ( الطور : 7 ) . خاصة . انتهى . وقال صاحب ( التلويح ) : فيه نظر في مواضع : الأول : لما رواه ابن ماجة : ( فلما سمعته يقرأ * ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ) * ( الطور : 35 ) . إلى قوله : * ( فليأت مستمعهم بسلطان مبين ) * ( الطور : 38 ) . كاد قلبي يطير ) . ولما رواه السراج في كتابه بسند صحيح : ( سمعته يقرأ في المغرب * ( بالطور وكتاب مسطور في رق منشور ) * ( الطور : 1 و 3 ) . الثاني : قوله : ( رواه هشيم عن الزهري ) ، وخالفه الطبراني في ( معجمه الصغير ) ، وإنما رواه عن إبراهيم بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده ، وقال : لم يروه عن إبراهيم إلاّ هشيم ، تفرد به عروة بن سعيد الربعي وهو ثقات ، الثالث : قوله : ( قال جبير : فانتهيت إليه وهو يصلي . . . ) فيه نظر ، لما ذكره محمد بن سعد من حديث نافع ابنه عنه ، قال : ( قدمت في فداء أسارى بدر ، فاضطجعت في المسجد بعد العصر ، وقد أصابني الكرى ، فنمت ، فأقيمت صلاة المغرب فقمت فزعا بقراءة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في المغرب : * ( بالطور وكتاب مسطور ) * ( الطور : 1 و 3 ) . فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد ، وكان يومئذ أول ما دخل الإسلام قلبي ) انتهى . قلت : رواية البخاري أصح من غيره ، وفي ( الاستيعاب ) روى جماعة من أصحاب ابن شهاب عنه : عن محمد بن جبير عن أبيه : المغرب والعشاء ، وزعم الدارقطني أن رواية من روى عن ابن شهاب عن نافع بن جبير وهم . وأما الطور فعن ابن عباس : الطور الجبل الذي كلم الله ، عز وجل ، موسى ، عليه الصلاة والسلام ، عليه لغة سريانية . وفي ( المحكم ) : الطور الجبل ، وقد غلب طور سيناء ، على جبل بالشام ، وهو بالسريانية : طورى ، والنسبة إليه : طوري وطوراني ، وزعم أبو عبيد البكري : أنه جبل ببيت المقدس ممتد ما بين مصر وأيلة سمي بطور إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام ، وهو طور سيناء وطور سينين ، وفي ( المتفق وضعا والمختلف صنفا ) اختلفوا فيه ، فقال قوم : هو جبل بقرب أيلة : وقيل : هو جبل بالشام ، وأما طور زيتا ، بالقصر ، فجبل بقرب رأس عين ، وببيت المقدس أيضا جبل يعرف : بطور زيتا ، وهو الذي جاء فيه الحديث : ( مات بطور زيتا سبعون ألف نبي كلهم قتلهم الجوع ) . وهو شرقي وادي سلوان ، وعلى مدينة طبرية يقال له : الطور ، مطل عليها ، وبأرض مصر جبل يقال له : الطور بين مصر وفاران ، يشتمل على عدة قرى ، وطور عبدين : اسم بليدة بنواحي نصيبين ، وفي قبلي البيت المقدس جبل عال يقال له : الطور ، فيه فيما يقال قبر هارون ، عليه الصلاة والسلام . ذكر ما يستنبط منه فيه : أن القراءة في صلاة المغرب جهرية ، ولذلك وضع البخاري الباب ، فإن أسر فيها إن كان عمدا يكون تاركا للسنة ، وإن كان سهوا يجب عليه سجدتا السهو . وقد ذكرناه . وفيه : أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب ، وقد ذكرنا أن قراءته صلى الله عليه وسلم ليست كقراءة غيره ، وله أحوال في ذلك كما ذكرناه . منها : أن قراءته في المغرب بالطور ونحوها يجوز أن تكون لبيان الجواز . ومنها : أن تكون لعلمه بعدم المشقة ، ألاَ ترى كيف أنكر على معاذ ، رضي الله تعالى عنه ، لما طول الصلاة بافتتاحه بسورة البقرة ، فقال له : ( أفتان أنت يا معاذ ؟ قالها مرتين ، لو قرأت بسبح اسم ربك الأعلى ، والشمس وضحاها ، فإنه يصلي خلفك ذو الحاجة والضعيف والصغير والكبير ) ، رواه الطحاوي بهذا اللفظ ، ورواه البخاري ومسلم أيضا كما ذكرناه في موضعه . وفيه : احتجاج من ذهب إلى أن المستحب قراءة السور التي قرأها النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد استقصينا الكلام فيه في الباب السابق . 100 بابُ الجَهْرِ في العِشاءِ أي : هذا باب في بيان حكم جهر القراءة في صلاة العشاء ، وقال بعضهم : قدم ترجمة الجهر على ترجمة القراءة عكس ما وضع