العيني
246
عمدة القاري
الترمذي في التفسير عن أحمد بن منيع . وأخرجه النسائي فيه وفي الصلاة عن عبد الله بن أحمد بن عبد الله . ذكر معناه : قوله : ( بينما ) ، قد مر غير مرة أن أصله : بين ، فزيدت عليه : الألف والميم ، وأضيف إلى الجملة بعده . وقوله : ( إذا أقبلت ) جوابه ، ويروى : ( بينا ) بدون الميم . قوله : ( نحن نصلي ) ظاهره أن انفضاضهم كان بعد دخولهم في الصلاة ، والدليل عليه رواية خالد بن عبد الله عند أبي نعيم في ( المستخرج ) : ( بينما نحن مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في الصلاة ) . ولكن وقع عند مسلم : ( ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يخطب ) وله في رواية : ( بينا النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قائم ) وزاد أبو عوانة في ( صحيحه ) والترمذي والدارقطني من طريقه : ( يخطب ) . فإن قلت : كيف التوفيق بين الكلامين ؟ قلت : قالوا : قوله : ( نصلي ) أي : ننتظر الصلاة ، وهو معنى : قوله : ( في الصلاة ) في رواية أبي نعيم في الخطبة ، وهو من تسمية الشيء بما قاربه . وقال النووي : والمراد بالصلاة انتظارها في حال الخطبة ليوافق رواية مسلم ، وقال ابن الجوزي : معناه حضرنا الصلاة وكان صلى الله عليه وسلم يخطب يومئذ قائما ، وبين هذا في حديث جابر أنه ، صلى الله عليه وسلم ، كان يخطب قائما . وقال البيهقي : الأشبه أن يكون الصحيح رواية من روى أن ذلك كان في الخطبة . قلت : إخراج كلام جابر الذي رواه البخاري يؤدي إلى عدم مطابقته للترجمة ، لأنه وضع الترجمة في نفور القوم عن الإمام وهو في الصلاة ، وما ذكره يدل على أنهم نفروا والإمام يخطب . قوله : ( عير ) ، بكسر العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء : وهي الإبل التي تحمل التجارة طعاما كانت أو غيره ، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها ، وقال الزمخشري في قوله تعالى : * ( فأذن مؤذن أيتها العير ) * ( يوسف : 70 ) . إنها الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي : تذهب وتجيء . وقيل : هي قافلة الحمير ، ثم كثر حتى قيل لكل قافلة : عير ، كأنها جمع : عير ، بفتح العين والمراد : أصحاب العير ، فعلى هذا إسناد الإقبال إلى العير مجاز وفي ( المحكم ) : والجمع : عيرات وعير ، ونقل عبد الحق في جمعه : أن البخاري لم يخرج قوله : ( إذا أقبلت عير تحمل طعاما ) ، وليس كذلك ، فإنه ثبت هنا وفي أوائل البيوع ، نعم سقط ذلك في التفسير . وزاد البخاري في البيوع ، أنها أقبلت من الشام ، ومثله لمسلم من طريق جرير عن حصين فإن قلت : لمن كانت العير المذكورة ؟ قلت : في رواية الطبري من طريق السدي أن الذي قدم بها من الشام هو دحية بن خليفة الكلبي ، وقال السهيلي : ذكر أهل الحديث أن دحية بن خليفة الكلبي قدم من الشام بعير له تحمل طعاما وبرا ، وكان الناس إذ ذاك محتاجين ، فانفضوا إليها وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية ابن مردويه من طريق الضحاك ، عن ابن عباس : جاءت عير لعبد الرحمن بن عوف ، رضي الله تعالى عنه ، فإن قلت : كيف التوفيق بين الروايتين ؟ قلت : قيل جمع بين هاتين الروايتين بأن التجارة كانت لعبد الرحمن وكان دحية السفير فيها . قلت : يحتمل أن يكونا مشتركين فصحت نسبتها لكل منهما بهذا الاعتبار . قوله : ( فالتفتوا إليها ) أي : إلى العير ، وفي رواية ابن فضيل في البيوع : ( فانفض الناس ) أي : فتفرق الناس ، وهو موافق لنص القرآن ، فدل هذا على أن المراد من الالتفات : الانصراف ، وبهذا يرد على من حمل الالتفات على ظاهره حيث قال : لا يفهم من هذا الانصراف عن الصلاة وقطعها ، وإنما الذي يفهم منه التفاتهم بوجوههم أو بقلوبهم ، ويرد هذا أيضا قوله : ( حتى ما بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً ) فإن بقاء اثني عشر رجلاً منهم يدل على أن الباقين ما بقوا معه صلى الله عليه وسلم . وقال بعضهم : وفي قوله : ( فالتفتوا ) ، التفات لأن السياق يقتضي أن يقول : فالتفتنا ، وكأن النكتة في عدول جابر عن ذلك أنه هو لم يكن ممن التفت . قلت : ليس فيه التفات ، لأن جابرا ، رضي الله تعالى عنه ، كان من الاثني عشر ، على ما جاء أنه قال : وأنا فيهم ، فيكون هذا إخبارا عن الذين انفضوا ، فلا عدول فيه عن الأصل . قوله : ( إلاّ اثنا عشر ) استثناء من الضمير الذي في لفظه : بقي ، الذي يعود إلى المصلي ، فإذا كان كذلك يجوز فيه الرفع والنصب ، وجاءت الرواية بهما ، ولا يقال : إن الاستثناء مفرغ ، فيتعين الرفع لأن إعرابه على حسب العوامل ، لأن ما ذكر يمنع أن يكون مفرغا . وهنا وجه آخر لجواز الرفع والنصب ، أما الرفع فيكون المستثنى فيه محذوفا تقديره : ما بقي أحد مع النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ عدد كانوا اثني عشر رجلاً ، وأما النصب فلإعطاء اثني عشر حكم أخواته التي هي ثلاثة عشر وأربعة عشر وغيرهما ، لأن الأصل فيها البناء لتضمنها الحرف . فافهم . ثم تعيين عدد الذين بقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما هو في ( الصحيح ) وهم : اثني عشر ، وفي الدارقطني ليس معه صلى الله عليه وسلم إلاّ أربعين رجلاً أنا فيهم ، ثم قال الدارقطني : لم يقل كذلك