العيني
219
عمدة القاري
كان يخطب يوم الجمعة قائما ثم يقعد ثم يقوم ثم يخطب ) ، اللفظ لأحمد وأبي يعلى . قوله : ( ثم يقعد ) أي : بعد الخطبة الأولى ثم يقوم للخطبة الثانية . ذكر ما يستفاد منه : فيه : الإخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يخطب قائما . قال شيخنا في ( شرح الترمذي ) : في اشتراط القيام في الخطبتين إلاّ عند العجز ، وإليه ذهب الشافعي وأحمد في رواية . انتهى . قلت : لا يدل الحديث على الاشتراط ، غاية ما في الباب أنه يدل على السنية . وفي ( التوضيح ) : القيام للقادر شرط لصحتها ، وكذا الجلوس بينهما عند الشافعي ، رضي الله تعالى عنه ، وأصحابه . فإن عجز عنه استخلف ، فإن خطب قاعدا أو مضطجعا للعجز جاز قطعا كالصلاة ، ويصح الاقتداء به حينئذ ، وعندنا وجه : أنها تصح قاعدا للقادر ، وهو شاذ ، نعم هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد كما حكاه النووي عنهم ، قاسوه على الأذان . وحكى ابن بطال عن مالك كالشافعي ، وعن ابن القصار كأبي حنيفة ، ونقل ابن التين عن القاضي أبي محمد أنه مسيىء ، ولا يبطل حجة الشافعي حديث الباب . قلت : حديث الباب لا يدل على الاشتراط ، واستدل بعضهم للشافعي ، رضي الله تعالى عنه ، بما في ( صحيح مسلم ) : ( أن كعب بن عجرة دخل المسجد وعبد الرحمن بن أبي الحكم يخطب قاعدا ، فقال : انظروا إلى هذا الخطيب يخطب قاعدا ، وقال تعالى : * ( وتركوك قائما ) * ( الجمعة : 11 ) . وفي ( صحيح ابن خزيمة ) : ( قال كعب : ما رأيت كاليوم قط إمام يؤم المسلمين يخطب وهو جالس ، يقول ذلك مرتين ) . وأجيب : عنه بأن إنكار كعب عليه إنما هو لتركه السنة ، ولو كان القيام شرطا لما صلوا معه مع ترك الفرض . فإن قلت : روى مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من رواية سماك بن حرب عن جابر ابن سمرة قال : ( كانت للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس ) وفي رواية : ( كان يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائما ، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب ، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة ) . قلت : هذا محمول على المبالغة ، لأن هذا القدر من الجمع إنما يكمل في نيف وأربعين سنة ، وهذا القدر لم يصله رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن قلت : قال النووي : المراد الصلوات الخمس لا الجمع ، لأنه غير ممكن . قلت : سياق الكلام ينافي هذا التأويل ، لأن الكلام في الجمع لا في الصلوات الخمس ، واحتجوا أيضا بما ذكره ابن أبي شيبة عن طاووس ، قال : ( خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان قياما ، وأول من جلس على المنبر معاوية ، قال الشعبي : حين كثر شحم بطنه ولحمه ) . ورواه ابن حزم عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، أيضا ، والجواب عنه وعن كل حديث ورد فيه القيام في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وعن قوله : * ( وتركوك قائما ) * ( الجمعة : 11 ) . بأن ذلك إخبار عن حالته التي كان عليها عند انقضاضهم ، وبأنه صلى الله عليه وسلم كان يواظب على الشيء الفاضل مع جواز غيره ، ونحن نقول به ، ومن أقوى الحجج لأصحابنا ما رواه البخاري ( عن أبي سعيد الخدري : أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله ) ، على ما سيأتي ، إن شاء الله تعالى ، وحديث سهل : ( مري غلامك يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس ) . 28 ( ( بابُ يَسْتَقْبِلُ الإمامُ القومَ وَاسْتِقْبَالِ النَّاسِ الإمَامَ إذا خَطَبَ ) ) أي : هذا باب في بيان استقبال الناس الإمام ، والاستقبال مصدر مضاف إلى فاعله ، والإمام بالنصب مفعول له ، وفي رواية كريمة : باب يستقبل الإمام القوم واستقبال الناس الإمام إذا خطب . وَاسْتَقْبَلَ ابنُ عُمَرَ وَأنسٌ ، رضي الله تعالى عنه ، الإمَامَ مطابقته للترجمة ظاهرة ، أما أثر عبد الله بن عمر فأخرجه البيهقي من طريق الوليد بن مسلم ، قال : ذكرت الليث بن سعد فأخبرني عن ابن عجلان عن نافع أن ابن عمر كان يفرغ من سبحته يوم الجمعة قبل خروج الإمام ، فإذا خرج لم يقعد الإمام حتى يستقبله ، وأما أثر أنس بن مالك فأخرجه ابن أبي شيبة : حدثنا عبد الصمد ( عن المستمر بن ريان ، قال : رأيت أنسا إذا أخذ الإمام يوم الجمعة في الخطبة يستقبله بوجهه حتى يفرغ الإمام من خطبته ) . ورواه ابن المنذر من وجه آخر : ( عن أنس أنه جاء يوم الجمعة فاستند إلى الحائط واستقبل الإمام ) . قال ابن المنذر : ولا أعلم في ذلك خلافا بين العلماء ، وحكى غيره : ( عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يستقبل هشام بن إسماعيل إذا خطب ، فوكل به هشام شرطيا يعطفه إليه ) . وهشام هذا هو هشام بن إسماعيل بن الوليد بن