العيني

216

عمدة القاري

إنماأمرني أمير المأمنين أن أرفعه ، فدعا نجارا وكان ثلاث درجات فزاد فيه الزيادة التي هو عليها اليوم . ورواه من وجه آخر ، قال : فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم ، قال : وزاد فيه ست درجات ، وقال : إنما زدت فيه حين كثر الناس . فإن قلت : روى أبو داود عن ابن عمر أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لما بدن قال له تميم الداري : ( ألا اتخذ لك منبرا يا رسول الله يجمع أو يحمل عظامك ؟ قال : بلى ، فاتخذ له منبرا مرقاتين ) أي : اتخذ له منبرا درجتين ، فبينه وبين ما ثبت في الصحيح أنه ثلاث درجات منافاة . قلت : الذي قال : مرقاتين ، لم يعتبر الدرجة التي كان يجلس عليها صلى الله عليه وسلم . وقال ابن النجار وغيره : استمر على ذلك إلا ما أصلح منه إلى أن أحترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة ، فاحترق ثم جدد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين منبرا ثم أرسل الظاهر بيبرس رحمه الله بعد عشر سنين منبرا ، فأزيل منبر المظفر فلم يزل ذلك إلى هذا العصر ، فأرسل الملك المؤيد شيخ ، رحمه الله ، في سنة عشرين وثمان مائة منبرا جديدا ، وكان أرسل في سنة ثماني عشرة منبرا جديدا إلى مكة أيضا . قوله : ( وأجلس ) ، بالرفع والجزم ، قاله الكرماني . قلت : أما الرفع فعلى تقدير : وأنا أجلس ، وأما الجزم فلأنه جواب الأمر ، قوله : ( من طرفاء الغابة ) ، وفي رواية سفيان عن أبي حازم : من أثل الغابة . الطرفاء ، بفتح الطاء وسكون الراء المهملتين وبعد الراء فاء ممدودة ، وهو شجر من شجر البادية ، واحدها طرفة ، بفتح الفاء مثل قصبة وقصباء ، وقال سيبويه : الطرفاء وأحمد وجمع . والأثل بسكون الثاء المثلثة ، قال القزاز : هو ضرب من الشجر يشبه الطرفاء ، وقال الخطابي ، هو الشجرة الطرفاء . قلت : فعلى هذا لا منافاة بين الروايتين ، والغاية ، بالغين المعجمة وبعد الألف باء موحدة : وهي أرض على تسعة أميال من المدينة كانت إبل النبي صلى الله عليه وسلم مقيمة بها للمرعى ، وبها وقعت قصة العرنيين الذي أغاروا على سرحه ، وقال ياقوت : بينها وبين المدينة أربعة أميال . وقال الزمخشري : الغابة بريد من المدينة من طريق الشام . وفي ( الجامع ) : كل شجر ملتف فهو غابة . وفي ( المحكم ) : الغابة الأجمة التي طالت ولها أطراف مرتفعة باسقة . وقال أبو حنيفة : هي أجمة القصب . قال : وقد جعلت جماعة الشجر غابا مأخوذا من الغيابة ، والجمع غابات وغاب . قوله : ( فأرسلت ) أي : المرأة تعلم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه فرغ . قوله : ( فأمر بها فوضعت ) أنث الضمير في الموضعين باعتبار الأعواد والدرجات . قوله : ( عليها ) أي : على الأعواد . قوله : ( وهو عليها ) ، جملة حالية . قوله : ( ثم نزل القهقرى ) ، وهو الرجوع إلى خلف . قيل : يقال رجع القهقرى ، ولا يقال : نزل القهقرى ، لأنه نوع من الرجوع لا من النزول . وأجيب : بأنه لما كان النزول رجوعا من فوق إلى تحت صح ذلك ، وكان الحامل على ذلك المحافظة على استقبال القبلة ، ولم يذكر في هذه الرواية القيام بعد الركوع ولا القراءة بعد التكبير ، وقد بين ذلك في رواية سفيان عن أبي حازم ، ولفظه : ( كبر فقرأ وركع ثم رفع رأسه ثم رجع القهقرى ) ، وفي رواية هشام بن سعد عن أبي حازم عند الطبراني : ( فخطب الناس عليه ثم أقيمت الصلاة فكبر وهو على المنبر ) . قوله : ( في أصل المنبر ) أي : على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى منه . قوله : ( ثم عاد ) ، وزاد مسلم من رواية عبد العزيز : ( حتى فرغ من آخر صلاته ) . قوله : ( ولتعلموا ) ، بكسر اللام وفتح التاء المثناة من فوق وتشديد اللام ، وأصله : لتتعلموا ، فحذفت إحدى التاءين ، وعرف منه أن الحكمة في صلاته في أعلى المنبر ليراه من قد يخفى عليه رؤيته إذا صلى على الأرض . وقال ابن حزم ، وبكيفية هذه الصلاة قال أحمد والشافعي والليث وأهل الظاهر . ومالك وأبو حنيفة لا يجيزانها ، وقال ابن التين : الأشبه أن ذلك كان له خاصة . ذكر ما يستفاد منه : فيه : أن من فعل شيئا يخالف العادة بين حكمته لأصحابه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى هذه الصلاة بهذه الكيفية وكان ذلك لمصلحة بيناها ، فنقول : إذا كان مثل ذلك لمصلحة ينبغي أن لا تفسد صلاته ولا تكره أيضا ، كما في مسألة من انفرد خلف الصف وحده ، فإن له أن يجذب واحدا من الصف إليه ويصطفان ، فإن المجذوب لا تبطل صلاته ولو مشى خطوة أو خطوتين ، وبه صرح أصحابنا في الفقه . وفيه : دليل على أن الفعل الكثير بالخطوات وغيرها إذا تفرق لا يبطل الصلاة ، لأن النزول عن المنبر والصعود تكرر ، وجملته كثيرة ، ولكن أفراده المتفرقة كل واحد منها قليل . وفيه : استحباب اتخاذ المنبر لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسماع منه ، ويستحب أن يكون المنبر على يمين المحراب مستقبل القبلة فإن لم يكن منبر فموضع عال ، وإلاّ فإلى خشبة للاتباع فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع قبل اتخاذ المنبر ، فلما صنع تحول إليه ، ويكره المنبر الكبير جدا الذي يضيق على المصلين إذا لم يكن المسجد متسعا . وفيه : استحباب الافتتاح بالصلاة في كل شيء جديد ، إما شكرا وإما تبركا .