العيني
211
عمدة القاري
يؤذن غير أذان واحد ) ، وفيه أيضا عن الحسن : ( النداء الأول يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الإمام ، والذي يكون قبل ذلك محدث ) . وكذا قال ابن عمر في رواية عنه : الأذان الأول يوم الجمعة بدعة ، وعن الزهري : أول من أحدث الأذان الأول عثمان ، يؤذن لأهل الأسواق . وفي لفظ : ( فأحدث عثمان التأذينة الثالثة على الزوراء ليجتمع الناس ) . ووقع في ( تفسير جويبر ) : عن الضحاك عن برد بن سنان عن مكحول ( عن معاذ بن عمر ، هو الذي زاد : فلما كانت خلافة عمر ، رضي الله تعالى عنه ، وكثر السلمون أمر مؤذنين أن يؤذنا للناس بالجمعة خارجا في المسجد حتى يسمع الناس الأذان ، وأمر أن يؤذن بين يديه كما كان يفعل المؤذن بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وبين يدي أبي بكر ، ثم قال عمر أما الأذان الأول فنحن ابتدعناه لكثرة المسلمين فهو سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ماضية ) . وقيل : إن أول من أحدث الأذان الأول بمكة : الحجاج ، وبالبصرة : زياد . قوله : ( فلما كان عثمان ) أراد أنه لما صار خليفة . قوله : ( وكثر الناس ) أي : بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم ، وصرح به في رواية الماجشون ، وظاهر هذا أن عثمان أمر بذلك في ابتداء خلافته ، لكن في رواية أبي حمزة عن يونس عند أبي نعيم في ( المستخرج ) أن ذلك كان بعد مضي مدة خلافته . قوله : ( زاد النداء الثالث ) إنما سمي ثالثا باعتبار كونه مزيدا ، لأن الأول هو الأذان عند جلوس الإمام على المنبر ، والثاني هو الإقامة للصلاة عند نزوله ، والثالث عند دخول وقت الظهر فإن قلت : هو الأول لأنه مقدم عليهما قلت : نعم هو أول في الوجود ، ولكنه ثالث باعتبار شرعيته باجتهاد عثمان وموافقة سائر الصحابة به بالسكوت وعدم الإنكار ، فصار إجماعا سكوتيا وإنما أطلق الأذان على الإقامة لأنها إعلام كالأذان ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( بين كل أذانين صلاة لمن شاء ) . ويعني به بين الأذان والإقامة وإنما أولناه هكذا حتى لا يلزم أن يكون الأذان ثلاثا ، ولم يكن كذلك ، ولا يلزم أيضا أن يكون في الزمن الأول أذانان ، ولم يكن إلاّ أذان واحد ، فالأذان الثالث الذي زاده عثمان هو الأول اليوم ، فيكون الأول : هو الأذان الذي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن أبي بكر وعمر ، رضي الله تعالى عنهما ، عند الجلوس على المنبر ، والثاني : هو الإقامة . والثالث : الأذان الذي زاده عثمان ، فأذن به على الزوراء . ذكر ما يستفاد منه : قيل استدل البخاري بهذا الحديث على الجلوس على المنبر قبل الخطبة ، قال بعضهم : خلافا لبعض الحنفية ، وقال صاحب ( التوضيح ) قوله : ( إذا جلس الإمام على المنبر ) هذا سنة ، وعليه عامة العلماء ، خلافا لأبي حنيفة ، كذا قاله ابن بطال وتبعه ابن التين . وقالا : خالف الحديث قلت : هما خالفا الحديث حيث نسبا إليه ما لم يقل ، لأن مذهبه ما ذكره صاحب ( الهداية ) . وإذا صعد الإمام على المنبر جلس وأذن المؤذن بين يدي المنبر ، بذلك جرى التوارث . انتهى . واختلف أن جلوس الإمام على المنبر قبل الخطبة هل هو للأذان أو لراحة الخطيب ؟ فعلى الأول لا يسن في العيد ، لأنه لا أذان له . ومما يستفاد منه أن الأذان قبل الخطبة وأن الخطبة قبل الصلاة . ومنه : أن التأذين كان بواحد ، وقال أبو عمر : اختلف الفقهاء هل يؤذن بين يدي الإمام واحد أو مؤذنون ؟ فذكر ابن عبد الحكم عن مالك : إذا جلس على المنبر ونادى المنادي منع الناس من البيع تلك الساعة ، هذا يدل على أن النداء عنده واحد بين يدي الإمام ، ونص عليه الشافعي ، ويشهد له حديث السائب : ( لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم غير مؤذن واحد ) ، وهذا يحتمل أن يكون أراد بلالاً لمواظبته على الأذان دون ابن أم مكتوم وغيره ، وعن ابن القاسم ، عن مالك : إذا جلس الإمام على المنبر وأخذ المؤذنون في الأذان حرم البيع ، فذكر المؤذنون بلفظ الجماعة ، ويشهد لهذا حديث الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي : ( أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر ، رضي الله تعالى عنه ، وجلس على المنبر وأذن المؤذنون . . ) الحديث ، وهكذا حكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه ، قال ابن عمر : ومعلوم عند الناس أنه جائز أن يكون المؤذنون واحدا وجماعة في كل صلاة إذا كان ذلك مترادفا لا يمنع من إقامة الصلاة في وقتها ، وعن الداودي : كانوا يؤذنون في أسفل المسجد ليسوا بين يدي الإمام ، فلما كان عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، جعل من يؤذن على الزوراء ، وهي كالصومعة ، فلما كان هشام جعل المؤذنين أو بعضهم يؤذنون بين يديه ، فصاروا ثلاثة ، فسمي فعل عثمان ثالثا لذلك . فإن قلت : قد مر عن السائب : ( لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم غير مؤذن واحد ) ، رواه أبو داود والنسائي ، وفي رواية البخاري : ( لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم مؤذن غير واحد ) ، فقد ثبت في الصحيح أن ابن أم مكتوم كان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم فلذلك قال : ( فكلوا واشربوا حتى تسمعوا