العيني
208
عمدة القاري
كالجارّ قصبه في النار ) ، وقال الذهبي : عثمان بن الأزرق له صحبة ، قاله في معجم الطبراني . ومنها : حديث أبي الدرداء أخرجه الطبراني في ( الأوسط ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تأكل متكئا ، ولا تخط رقاب الناس يوم الجمعة ) . وفي سنده عبد الله بن زريق ، قال الأزدي لم يصح حديثه . ومنها : حديث أنس ، رضي الله تعالى عنه ، أخرجه الطبراني أيضا ، قال : ( بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ جاء رجل فتخطى رقاب الناس . . ) الحديث ، وفيه : ( رأيتك تخطى رقاب الناس وتؤذيهم ، من آذى مسلما فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، عز وجل . قوله : ( اتخذ جسرا ) ، قال شيخنا في ( شرح الترمذي ) : المشهور : اتخذ ، على بناء المجهول بمعنى : يجعل جسرا على طريق جهنم ليوطأ ويتخطى كما تخطى رقاب الناس ، فإن الجزاء من جنس العمل ، ويحتمل إن يكون على بناء الفاعل ، أي : اتخذ لنفسه جسرا يمشي عليه إلى جهنم بسبب ذلك . قوله : ( وآنيت ) أي : أخرت المجيء وأبطأت . قوله : ( قصبه ) ، القصب ، بضم القاف : المعاء ، وجمعه : أقصاب ، وقيل : القصب اسم للأمعاء كلها ، وقيل : هو ما كان أسفل البطن من الأمعاء . قوله : ( متكئا ) أي : حال كونك متكئا . وقال صاحب ( التوضيح ) : وقد اختلف العلماء في التخطي ، فمذهبنا أنه مكروه إلاّ أن يكون قدامه فرجة لا يصليها إلاّ بالتخطي فلا يكره حينئذ ، وبه قال الأوزاعي وآخرون ، وقال ابن المنذر بكراهته مطلقا عن سلمان الفارسي وأبي هريرة ، وكعب وبن سعيد بن المسيب وعطاء وأحمد بن حنبل ، وعن مالك : كراهته إذا جلس على المنبر ، ولا بأس به قبله . وقال قتادة : يتخطاهم إلى مجلسه . وقال الأوزاعي : يتخطاهم إلى السعة وهذا يشبه قول الحسن ، قال : لا بأس بالتخطي إذا كان في المسجد سعة ، وقال أبو بصرة : يتخطاهم بإذنهم . وقال ابن المنذر : لا يجوز شيء من ذلك عندي ، لأن الأذى يحرم قليله وكثيره ، وقال صاحب ( التوضيح ) : وهو المختار ، وعند أصحابنا الحنفية لا بأس بالتخطي والدنو من الإمام إذا لم يؤذ الناس . وقيل : لا بأس به إذا لم يأخذ الإمام في الخطبة ، ويكره إن أخذ . وقال الحلواني : الصحيح أن الدنو من الإمام أفضل لا التباعد منه ، ثم تقييد التخطي بالكراهة يوم الجمعة هو المذكور في الأحاديث ، وكذلك قيده الترمذي في حكايته عن أهل العلم ، وكذلك قيده الشافعية في كتب فقههم في أبواب الجمعة ، وكذا هو عبارة الشافعي في ( الأم ) : وأكره تخطي رقاب الناس يوم الجمعة لما فيه من الأذى وسوء الأدب . انتهى . قلت : هذا التعليل يشمل يوم الجمعة وغيره من سائر الصلوات في المساجد وغيرها ، وسائر المجامع من حلق العلم وسماع الحديث ومجالس الوعظ ، وعلى هذا يحمل التقييد بيوم الجمعة على أنه خرج مخرج الغالب لاختصاص الجمعة بمكان الخطبة وكثرة الناس ، بخلاف غيره . ويؤيد ذلك ما رآه أبو منصور الديلمي في ( مسند الفردوس ) من حديث أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من تخطى حلقة قوم بغير إذنهم فهو عاص ) ، ولكنه ضعيف لأنه من رواية جعفر بن الزبير ، فإنه كذبه شعبة وتركه للناس . ثم اختلفوا في كراهة ذلك : هل هو للتحريم أو لا ؟ فالمتقدمون يطلقون الكراهة ويريدون كراهة التحريم وحكى الشيخ أبو حامد في تعليقه عن نص الشافعي التصريح بتحريمه ، وحكى الرافعي في الشهادات عن صاحب ( العدة ) أنه عده من الصغائر ، ونازعه الرافعي وقال : إنه من المكروهات ، وقال في : باب الجمعة : إن تركه من المندوبات ، وصرح النووي في ( شرح المهذب ) بأنه مكروه كراهة تنزيه . وقال في ( زوائد الروضة ) : إن المختار تحريمه ، للأحاديث الصحيحة . واقتصر أصحاب أحمد على الكراهة فقط ، وقال شارح الترمذي : ويستثنى من التحريم أو الكراهة : الإمام أو من كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلاّ بالتخطي ، وأطلق النووي في ( الروضة ) استثناء الإمام ومن بين يديه فرجه ، ولم يقيد الإمام بالضرورة ولا الفرجة بكون التخطي إليها يزيد على صفين . وقيد ذلك في ( شرح المهذب ) فقال : فإن كان إماما لم يجد طريقا إلى المنبر والمحراب إلاّ بالتخطي لم يكره ، لأنه ضرورة . وفي ( الأم ) : فإن كان الزحاام دون الإمام لم أكره له من التخطي ما أكره للمأموم ، لأنه مضطر إلى أن يمضي إلى الخطبة ، وقال في ( الأم ) أيضا : فإن كان دون مدخل الرجل زحام وأمامه فرجة ، وكان تخطيه إليها بواحد أو اثنين رجوت أن يسعه التخطي ، وإن كرهته إلاّ أن لا يجد السبيل إلى مصلى ، فيه الجمعة إلاّ أن يتخطى ، فيسعه التخطي : إن شاء الله تعالى . ونقل النووي عن الشافعي في ( الفروق ) : إنه إذا وصل إليها بتخطي واحد أو اثنين فلا بأس به ، فإن كان أكثر من ذلك كرهت له أن يتخطى ، ثم لا فرق في كراهة التخطي أو تحريمه بين أن يكون المتخطي من ذوي الحشمة والأصالة ، أو رجلاً صالحا أوليس فيه وصف منهما . ونقل صاحب ( البيان ) عن القفال : أنه لو كان محتشما أو محترما لم يكره التخطي . قلت : هذا ليس بشيء ، والأصل عدم