العيني
203
عمدة القاري
ابن عمه في تطويل الخطبة يوم الجمعة حتى يكاد الوقت أن يخرج ، واستدل به ابن بطال على أن وقت الجمعة وقت الظهر ، لأن أنسا سوى بينهما في جوابه للحكم المذكور ، حتى قيل : كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر خلافا لمن أجاز الجمعة قبل الزوال ؟ وقال التيمي : معنى الحديث أن الجمعة وقتها وقت الظهر ، وأنها تصلى بعد الزوال ويبرد بها في شدة الحر ، ولا يكون الإبراد إلاّ بعد تمكن الوقت ، 18 ( ( بابُ المَشْيِ إلَى الجُمُعَةِ وقَوْلِ الله جَلَّ ذِكْرُهُ فاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ الله ومَنْ قال السَّعْيُ العَمَلُ والذَّهَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : * ( وسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ) * ( ) الإسراء : 19 ) . ) ) أي : هذا باب في بيان المشي إلى صلاة الجمعة ، أراد أن في حالة المشي إليها ما يترتب من الحكم . قوله : ( وقول الله ) بالجر عطف على قوله : ( المشي ) أي : وفي بيان معنى قول الله عز وجل : * ( فاسعوا إلى ذكر الله ) * ( الجمعة : 9 ) . والسعي في لسان العرب : الإسراع في المشي والاشتداد . وفي ( المحكم ) : السعي عدوٌ دون الشد ، سعى يسعى سعيا ، والسعي الكسب وكل عمل من خير أو شر سعي . وقال ابن التين : ذهب مالك إلى أن المشي والمضي يسميان سعيا من حيث كانا عملاً ، وكل من عمل بيده أو غيرها ، فقد سعى ، وأما السعي بمعنى الجري فهو الإسراع ، يقال : سعى إلى كذا بمعنى : العدو ، والجري ، فيتعدى بإلى ، وإن كان بمعنى العمل فيتعدى باللام . وقال الكرماني : في قوله : * ( وسعى لها سعيها ) * ( الإسراء : 19 ) . أي : عمل لها وذهب إليها . فإن قلت : هذا معدى باللام ، وذلك بإلى ؟ قلت لا تفاوت بينهما إلاّ بإرادة الاختصاص والانتهاء . انتهى كلامه . قلت : الفرق بين : سعى له وسعى إليه ، بما ذكرنا ، وهو الذي ذكره أهل اللغة وإليه أشار البخاري . بقوله : ( ومن قال السعي : العمل ) والذهاب يعني من فسر السعي بالعمل والذهاب يقول باللام كما في قوله تعالى : * ( وسعى لها سعيها ) * ( الإسراء : 19 ) . أي : عمل لها ، ولكن : باللام ، لا تأتي إلاّ في تفسير السعي بالعمل ، وأما في تفسير السعي بالذهاب فلا يأتي إلاّ بإلى ، ثم اختلفوا في معنى قوله تعالى : * ( فاسعوا ) * ( الجمعة : 9 ) . فمنهم من قال : معناه : فامضوا ، واحتجوا بأن عمر وابن مسعود ، 0 ما ، كانا يقرآن : فامضوا إلى ذكر الله . قالا : ولو قرأناها فاسعوا لسعينا حتى يسقط رداؤنا . وقال عمر ، رضي الله تعالى عنه ، لأبي بن كعب ، رضي الله تعالى عنه ، وقرأ : فاسعوا ، لا تزال تقرأ المنسوخ ؟ كذا ذكره ابن الأثير . وفي تفسير عبد بن حميد ، قيل لعمر ، رضي الله تعالى عنه : إن أبيا يقرأ : فاسعوا : فامشوا ؟ فقال عمر : أبي أعلمنا بالمنسوخ . وفي ( المعاني ) للزجاج : وقرأ أبي وابن مسعود : فامضوا ، وكذا ابن الزبير فيما ذكره ابن التين ، ومنهم من قال : معنى : فاسعوا ، فاقصدوا . وفي تفسير أبي القاسم الجوزي : فاسعوا ، أي : فاقصدوا إلى صلاة الجمعة ، ومنهم من قال : معناه : فامشوا ، كما ذكرناه عن أبي . وقال ابن التين : ولم يذكر أحد من المفسرين أنه الجريء ، وقد ذكرنا نبذا من ذلك في أول كتاب الجمعة . وقال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما يَحْرُمُ البَيْعُ حِينَئِذٍ أي : حين نودي للصلاة ، وهذا التعليق وصله ابن حزم من طريق عكرمة عن ابن عباس بلفظ : ( لا يصلح البيع يوم الجمعة حتى ينادى للصلاة ، فإذا قضيت الصلاة فاشترِ وبِعْ ) . وقال الزجاج : البيع في وقت الزوال من يوم الجمعة إلى انقضاء الصلاة كالحرام . وقال الفراء : إذا أذن المؤذن حرم البيع والشراء ، لأنه إذا أمر بترك البيع فقد أمر بترك الشراء . ولأن المشتري والبائع يقع عليهما البيعان ، وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي : عن محمد بن عجلان عن أبي الزبير عن جابر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تحرم التجارة عند الأذان ، ويحرم الكلام عند الخطبة ، ويحل الكلام بعد الخطبة وتحل التجارة بعد الصلاة ) . وعن قتادة : ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم البيع والشراء ) . وقال الضحاك : إذا زالت الشمس ، وعن عطاء والحسن مثله ، وعن أيوب : لأهل المدينة ساعة يوم الجمعة ينادون : حرم البيع ، وذلك عند خروج الإمام وفي ( المصنف ) : عن مسلم ابن يسار إذا علمت أن النهار قد انتصف يوم الجمعة فلا تتبايعن شيئا . وعن مجاهد : من باع شيئا بعد زوال الشمس يوم الجمعة فإن بيعه مردود . وقال صاحب ( الهداية ) قيل : المعتبر في وجوب السعي وحرمة البيع هو الأذان الأصلي الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي المنبر . قلت : هو مذهب الطحاوي ، فإنه قال : هو ا لمعتبر في وجوب السعي إلى الجمعة على المكلف ، وفي حرمة البيع والشراء ، وفي ( فتاوى العتابي ) : هو المختار ، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر فقهاء الأمصار ، ونص في المرغيناني : أنه هو