العيني

188

عمدة القاري

ثم استدل أبو حنيفة على أنها لا تجوز في القرى بما رواه عبد الرزاق في ( مصنفه ) ؛ أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن الحارث ( عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، قال : لا جمعة ولا تشريق إلاّ في مصر جامع ) ، ورواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : حدثنا عباد بن العوام عن حجاج عن أبي إسحاق عن الحارث ، ( عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، قال : لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلاّ في مصر جامع أو مدينة عظيمة ) ، وروى أيضا بسند صحيح : حدثنا جرير عن منصور عن طلحة عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن أنه قال : قال علي ، رضي الله تعالى عنه : ( لا جمعة ولا تشريق إلاّ في مصر جامع ) . فإن قلت : قال النووي : حديث علي ضعيف متفق على ضعفه ، وهو موقوف عليه بسند ضعيف منقطع ؟ قلت : كأنه لم يطلع إلاّ على الأثر الذي فيه الحجاج بن أرطاة ، ولم يطلع على طريق جرير عن منصور ، فإنه سند صحيح ، ولو اطلع لم يقل بما قاله ، وأما قوله : متفق على ضعفه ، فزيادة من عنده ، ولا يدري من سلفه في ذلك ، على أن أبا زيد زعم في ( الأسرار ) : أن محمد بن الحسن قال : رواه مرفوعا معاذ وسراقة بن مالك ، رضي الله تعالى عنهما . فإن قلت : في ( سنن سعيد بن منصور ) : عن أبي هريرة أنهم كتبوا إلى عمر بن الخطاب ، رضي الله تبارك وتعالى عنه ، من البحرين يسألونه عن الجمعة ، فيكتب إليهم : إجمعوا حيث ما كنتم . وذكره ابن أبي شيبة بسند صحيح بلفظ : جمعوا ، وفي ( المعرفة ) أن أبا هريرة هو السائل ، وحسن سنده ، وروى الدارقطني عن الزهري ، عن أم عبد الله الدوسية ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الجمعة واجبة على أهل كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلا أربعة ) . وزاد أبو أحمد الجرجاني : حتى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة ، وفي ( المصنف ) : ( عن مالك : كان أصحاب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمعون ) . وروى أبو داود : حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي أمامة بن سهل عن أبيه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، وكان قائد أبيه بعدما ذهب بصره ، عن أبيه عن كعب بن مالك أنه : كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة ، فقلت له : إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد ابن زرارة ؟ قال : لأن أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له : نقيع الخضمات ، قلت : كم أنتم يومئذ ؟ قال : أربعون ) . وأخرجه أيضا ابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي ، وزاد : قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم . وفي ( المعرفة ) : قال الزهري : لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى المدينة ليقرئهم القرآن جمع بهم وهم اثنا عشر رجلاً ، فكان مصعب أول من جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال البيهقي : يريد الاثنا عشر النقباء الذين خرجوا به إلى المدينة وكانوا له ظهيرا . وفي حديث كعب : جمع بهم أسعد وهم أربعون ، وهو يريد جميع من صلى معه ممن أسلم من أهل المدينة مع النقباء ، وعن جعفر بن برقان ، قال : كتب عمر بن عبد العزيز ، رضي الله تعالى عنه ، إلى عدي بن عدي . وأما أهل قرية ليسوا بأهل عمود فأمِّر عليهم أميرا يجمع بهم . رواه البيهقي قلت : الجواب عن الأول معناه : جمعوا حيث ما كنتم من الأمصار ، ألا ترى أنها لا تجوز في البراري ؟ وعن الثاني : أن رواته كلهم عن الزهري متروكون ، ولا يصح سماع الزهري من الدوسية . وعن الثالث : أنه ليس فيه دليل على وجوب الجمعة على أهل القرى . وعن الرابع : أن فيه محمد بن إسحاق ، فقال البيهقي : الحفاظ يتوقون ما ينفرد به ابن إسحاق ، وهنا قد تفرد به ، والعجب منه تصحيحه هذا الحديث ، والحال أنه كان يتكلم في ابن إسحاق بأنواع الكلام . فإن قلت : قال الحاكم : إنه على شرط مسلم . قلت : ليس كما قال ، لأن مداره على ابن إسحاق ، ولم يخرج له مسلم إلاّ متابعة . وعن الخامس : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بذلك ولا أقرهم عليه . وعن السادس : أنه : رأى عمر بن عبد العزيز ليس بحجة ، ولئن سلمنا فليس فيه ذكر عدد ، وقال عبد الحق في أحكامه : لا يصح في عدد الجمعة شيء فإن قلت : قال ابن حزم ، في معرض الاستدلال لمذهبه : ومن أعظم البرهان أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المدينة ، وإنما هي قرى صغار متفرقة ، فبنى مسجده في بني مالك بن النجار وجمع فيه في قرية ليست بالكبيرة ولا مصر هناك . قلت : هذا ليس بشيء من وجوه : الأول : قد صحح قول علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه الذي هو أعلم الناس بأمر المدينة : لا جمعة ولا تشريق إلاّ في مصر جامع . الثاني : أن الإمام أي موضع حل جمع . الثالث : التمصير للإمام ، فأي موضع مُصِّر . وأما معنى حديث أبي داود فقوله : ( في هزم النبيت ) ، الهزم بفتح الهاء وسكون الزاي بعدها ميم : موضع بالمدية ، و : النبيت ، بفتح النون وكسر الباء الموحدة بعدها ياء آخر الحروف وفي آخره تاء مثناة من فوق : وهي حي من اليمن . قوله : ( من حرة بني بياضة ) ، الحرة ، بفتح الحاء المهملة وتشديد