العيني
185
عمدة القاري
مثله ، رواه الطبراني ، وعن ابن مسعود مثله أخرجه ابن ماجة والطبراني . وامتناع مالك من الرواية عنه ليس لأجل هذا الحديث ، بل لكونه طعن في نسب مالك ، وقولهم : إن الناس تركوا العمل به ، غير صحيح ، لأن ابن المنذر قال : أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين قالوا به . ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم في الصلاة عن زهير بن حرب عن وكيع عن سفيان به وعن أبي الطاهر ابن السرح عن ابن وهب عن إبراهيم بن سعد عن أبيه به . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن بشار عن يحيى عن إبراهيم وعن عمرو بن علي عن ابن مهدي ، كلاهما عن سفيان به ، وأخرجه ابن ماجة فيه عن حرملة بن يحيى عن ابن وهب به . ذكر معناه : قوله : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم ) ، قال الكرماني : قالوا مثل هذا التركيب يفيد الاستمرار . انتهى . قلت : أكثر العلماء على أن : كان ، لا يقتضي المداومة ، والدليل على ذلك ما رواه مسلم من حديث النعمان بن بشير ، قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة : ب * ( سبح اسم ربك الأعلى ) * . و * ( هل أتاك حديث الغاشية ) * . الحديث ، وروى أيضا من حديث الضحاك بن قيس أنه سأل عن النعمان بن بشير : ( ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ به يوم الجمعة ؟ . قال : سورة الجمعة ، و * ( هل أتاك حديث الغاشية ) * . وروى الطحاوي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه : ( كان يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة و * ( إذا جاءك المنافقون ) * فهذه الأحاديث فيها لفظة : كان ، ولم تدل على المداومة ، بل كان صلى الله عليه وسلم قرأ بهذا مرة وبهذا مرة ، فحكى عنه كل فريق ما حضره ، ففيه دليل على أن لا توقيت للقراءة في ذلك ، وأن للإمام أن يقرأ في ذلك مع فاتحة الكتاب أي القرآن شاء . قوله : ( في الفجر يوم الجمعة ) ، وفي رواية كريمة والأصيلي : ( في الجمعة في صلاة الفجر ) . قوله : ( آلم تنزيل الكتاب ) ، بضم الَّلام على الحكاية ، وفي رواية كريمة : السجدة ، وهو بالنصب على أنه عطف بيان . قوله : * ( وهل أتى على الإنسان ) * ، وفي رواية الأصيلي زيادة : ( * ( حين من الدهر ) * ) ، ومعناه : يقرأ في الركعة الأولى : * ( ألم تنزيل ) * ، وفي الثانية : * ( هل أتى على الإنسان ) * وأوضح ذلك في رواية مسلم من طريق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم عن أبيه بلفظ : ( ألم تنزيل في الركعة الأولى ، وفي الثانية * ( هل أتى على الإنسان ) * . ذكر ما يستفاد منه : قال ابن بطال : ذهب أكثر العلماء إلى القول بهذا الحديث ، روي ذلك عن علي وابن عباس ، واستحبه النخعي وابن سيرين ، وهو قول الكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق . وقالوا : هو سنة ، واختلف قول مالك في ذلك ، فروى ابن وهب عنه أنه لا بأس أن يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة ، وروى عنه أشهب : أنه كره للإمام إلاّ أن يكون من خلفه قليل لا يخاف أن يخلط عليهم . قلت : الكوفيون مذهبهم كراهة قراءة شيء من القرآن مؤقتة لشيء من الصلوات أن يقرأ سودة السجدة وهل أتى في الفجر كل جمعة . وقال الطحاوي ، رحمه الله تعالى : معناه إذ رآه حتما واجبا لا يجزئ غيره ، أو رأى القراءة بغيرها مكروهة ، أما لو قرأها في تلك الصلاة تبركا أو تأسيا بالنبي ، صلى الله عليه وسلم ، أو لأجل التيسير فلا كراهة . وفي ( المحيط ) : بشرط إن يقرأ غير ذلك أحيانا لئلا يظن الجاهل أنه لا يجوز غيره . وقال المهلب : القراءة في الصلاة محمولة على قوله تعالى : * ( فاقرؤا ما تيسر منه ) * ( المزمل : 20 ) . وقال أبو عمر في ( التمهيد ) : قال مالك : يقرأ في صلاة العيدين * ( بسبح اسم ربك الأعلى ) * و * ( الشمس وضحاها ) * ونحوهما ، وفي ( المغني ) لابن قدامة : ويستحب أن يقرأ في الأولى من العيد * ( بسبح ) * وفي الثانية * ( بالغاشية ) * نص عليه أحمد . وقال الشافعي : فقرأ بقاف ، واقتربت ، لحديث أبي واقد الليثي ، قال : ( سألني عمر ، رضي الله تعالى عنه ، بما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيدين ؟ قلت : قاف ، و * ( اقتربت الساعة ، وانشق القمر ) * . رواه الطحاوي ومسلم ، وأخرجه الأربعة مرسلاً ، واسم أبي واقد : الحارث بن مالك ، وقيل : الحارث بن عوف ، وقيل : عوف بن الحارث ، وقال ابن حزم في ( المحلى ) : واختيارنا هو اختيار الشافعي وأبي سليمان ، وأما صلاة الجمعة فقد قال أبو عمر : اختلف الفقهاء فيما يقرأ به في صلاة الجمعة ، فقال مالك : أحب إلي أن يقرأ الإمام في الجمعة * ( هل أتاك حديث الغاشية ) * مع سورة الجمعة . وقال مرة أخرى : أما الذي جاء به الحديث * ( فهل أتاك حديث الغاشية ) * مع سورة الجمعة ، والذي أدركت عليه الناس * ( سبح اسم ربك الأعلى ) * . قال أبو عمر : محصل مذهب مالك أن كلتي السورتين قراءتهما مستحبة مع سورة الجمعة ، فإن فعل وقرأ بغيرهما فقد أساء ، وبئس ما صنع ، ولا تفسد عليه بذلك صلاته ، وقال الشافعي ، وأبو ثور : يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة ، وفي الثانية