العيني

18

عمدة القاري

قال له : أعد صلاتك على هذه الكيفية . انتهى . قلت : إنما أمره بالإعادة على الكيفية الكاملة ولا يستلزم ذلك نفي ذات الصلاة ، فالنفي راجع إلى الصفة لا إلى الذات ، والدليل عليه أن صلاته لو كانت فاسدة لكان الاشتغال بذلك عبثا ، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقرر أحدا على الاشتغال بالعبث ، وهذا هو الذي ذكره المتأخرون من أصحابنا نصرة لأبي حنيفة ومحمد في ذهابهما إلى أن الطمأنينة في الركوع والسجود واجبة وليست بفرض ، حتى قال في ( الخلاصة ) : إنها سنة عندهما ، وقالوا : لأن الركوع هو الانحناء ، والسجود هو الانخفاض لغة ، فتتعلق الركنية بالأدنى منهما . وقالوا أيضا قوله تعالى : * ( اركعوا واسجدوا ) * ( الحج : 77 ) . أمر بالركوع والسجود ، وهما لفظان خاصان يراد بهما الانحناء والانخفاض ، فيتأدى ذلك بأدنى ما ينطلق عليه من ذلك ، وافتراض الطمأنينة فيهما بخبر الواحد زيادة على مطلق النص ، وهو نسخ ، وذا لا يجوز . وأما الطحاوي الذي هو العمدة في بيان اختلاف العلماء في الفقه ، فإنه لم ينصب الخلاف بين أصحابنا الثلاثة على هذا الوجه ، فإنه قال في ( شرح معاني الآثار ) : باب مقدار الركوع والسجود الذي لا يجزئ أقل منه ، ثم روى حديث ابن مسعود ، رضي الله تعالى عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا قال أحدكم في ركوعه : سبحان ربي العظيم ثلاثا ، فقد تم ركوعه . وذلك أدناه ، وإذا قال في سجوده : سبحان ربي الأعلى ثلاثا ، فقد تم سجوده ، وذلك أدناه ) . وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة ، ثم قال : فذهب قوم إلى هذا ، وأراد به إسحاق وداود وأحمد في رواية مشهورة ، وسائر الظاهرية ، فإنهم قالوا : مقدار الركوع والسجود الذي لا يجزئ أقل منه هو المقدار الذي يقول فيه : سبحان ربي العظيم سبحان ربي الأعلى ، كل واحد ثلاث مرات ، وخالفهم في ذلك آخرون ، وأراد بهم : الثوري والأوزاعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا ومالكا والشافعي وعبد الله بن وهب وأحمد في رواية ، فإنهم قالوا : مقدار الركوع والسجود أن يركع حتى يستوي راكعا ، ومقدار السجود أن يسجد حتى يطمئن ساجدا ، وهذا المقدار الذي لا بد منه ولا تتم الصلاة ، إلاّ به ، ثم روى حديث رفاعة بن رافع في احتجاجهم فيما ذهبوا إليه ، ثم في آخر الباب قال : وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ، ولم ينصب الخلاف بينهم مثل ما نصبه صاحب ( الهداية ) و ( المبسوط ) و ( المحيط ) وغيرهم : * إذا قالت حذام فصدقوهافإن القول ما قالت حذام * وعن هذا أجيب عما قاله شراح ( الهداية ) في هذا الموضع ، في شرحنا له : فمن أراد ذلك فليرجع إليه . الثالث : إن قوله : ( فكبر ) ، يدل على أن الشروع في الصلاة لا يكون إلا بالتكبير ، وهو فرض بلا خلاف . الرابع : إن قوله : ( ثم اقرأ ) ، يدل على أن القراءة فرض في الصلاة . الخامس : قوله : ( ما تيسر ) ، يدل على أن الفرض مطلق القراءة ، وهو حجة لأصحابنا على عدم فرضية قراءة الفاتحة ، إذ لو كانت فرضا لأمره صلى الله عليه وسلم ، لأن المقام مقام التعليم . وقال الخطابي قوله : ( ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ) ، ظاهره الإطلاق والتخيير ، والمراد منه فاتحة الكتاب لمن أحسنها لا يجزيه غيرها ، بدليل قوله : ( لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب ) ، وهذا في الإطلاق كقوله تعالى : * ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) * ( البقرة : 196 ) . ثم قال : أقل ما يجرىء من الهدي معينا معلوم المقدار ببيان السنة وهو : الشاة . قلت : يريد الخطابي أن يتخذ لمذهبه دليلاً على حسب اختياره بكلام ينقض أوله آخره ، وحيث اعترف أولاً أن ظاهر هذا الكلام الإطلاق والتخيير ، وحكم المطلق أن يجري على إطلاقه ، وكيف يكون المراد منه فاتحة الكتاب وليس فيه إجمال ؟ وقوله : وهذا في الإطلاق كقوله تعالى . . . إلى آخره ، ظاهر الفساد ، لأن الهدى اسم لما يهدى إلي الحرم ، وهو يتناول الإبل والبقر والغنم ، وفيه إجمال ، وأقل ما يجزئ : شاة ، فيكون مرادا بالسنة بخلاف قوله : ( ما تيسر معك من القرآن ) ، فإنه ليس كذلك ، لأنه يتناول كل ما يطلق عليه القرآن ، فيتناول الفاتحة وغيرها وليس فيه إجمال ، وتخصيصه بفاتحة الكتاب من غير مخصص ترجيح بلا مرجح ، وهو باطل ، ولا يجوز أن يكون قوله : ( لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب ) مخصصا ، لأنه ينافي معنى التيسر ، فينقلب إلى تعسر ، وهذا باطل ، ولا يجوز أن يكون مفسرا لأنه ليس فيه إبهام . ومن قال : إنه مجمل كالتيمي وغيره ، وحديث عبادة مفسر ، والمفسر قاضٍ على المجمل فقد أبعد جدا لأنه لا يصدق عليه حد الإجمال كما ذكرنا عن قريب ، وقال النووي : أما حديث : ( اقرأ ما تيسر ) ، فمحمول على الفاتحة فإنها متيسرة ، أو على ما زاد على الفاتحة بعدها ، أو على من عجز عن الفاتحة قلت : هذا تمشية لمذهبه بالتحكم ، وكل هذا خارج عن معنى كلام الشارع . أما قوله : فالفاتحة متيسرة ، فلا يدل عليه تركيب الكلام أصلاً ، لأن ظاهره يتناول الفاتحة وغيرها مما ينطلق عليه اسم