العيني
131
عمدة القاري
في حديث عبد الله بن عمر ، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة من رواية عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خصلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلاّ دخل الجنة . . . ) الحديث . وفيه : ( يسبح الله أحدكم في دبر كل صلاة عشرا ، ويحمد عشرا ، ويكبر عشرا ) . الحديث فهي خمسون ومائة باللسان ، وألف وخمسمائة في الميزان ، وكذلك في حديث سعد بن أبي وقاص ، أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ، من رواية موسى الجهني : عن مصعب بن سعد عن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يمنع أحدكم أن يسبح دبر كل صلاة عشرا ، ويكبر عشرا ويحمد عشرا ؟ ) وكذلك رواه علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، أخرجه أحمد في رواية عطاء بن السائب عن أبيه ( عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زوجه فاطمة . . . ) الحديث ، وفيه : ( تسبحان لله في دبر كل صلاة عشرا ، وتحمدان عشرا ، وتكبران عشرا ) ، وكذلك في حديث أم مالك الأنصارية ، أخرجه الطبراني في ( الكبير ) من رواية عطاء بن السائب : عن يحيى بن جعدة عن رجل حدثه ، ( عن أم مالك الأنصارية : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هنيئا لك يا أم مالك بركة عجل الله ثوابها ، ثم علمها في دبر كل صلاة : سبحان الله عشرا ، والحمد لله عشرا ، والله أكبر عشرا ) . وكونه ستا ، كما في حديث أنس في بعض طرقه ، ومرة واحدة ، كما في بعض طرق حديثه ، أيضا ، وكونه سبعين مرة كما في حديث زميل الجهني أخرجه الطبراني في ( الكبير ) من رواية أبي مشجعة بن ربعي الجهني : ( عن زميل الجهني ، قال : كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إذا صلى الصبح قال ، وهو ثان رجله : سبحان الله وبحمده ، واستغفر الله ، إنه كان توابا ، سبعين مرة ، ثم يقول : سبعين بسبعمائة . . ) الحديث . وكونه مائة مرة كما في بعض طرق حديث أبي هريرة ، أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ، من رواية يعقوب بن عطاء : عن عطاء ابن أبي علقمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( من سبح في دبر كل صلاة مكتوبة مائة ، وكبر مائة وحمد مائة غفرت له ذنوبه ، وإن كانت أكثر من زبد البحر ) . ثم الجواب عن وجه الحكمة في تعيين هذه الأعداد أنه : يجب علينا أولاً : أن نتمثل في ذلك وإن خفي علينا وجهه ، لأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلو عن حكم . وثانيا : نقول بما أوقع الله تعالى في قلوبنا من أنواره التي يتجلى بها في الغوامض ، وهو أن الاختلاف في هذه الأعداد الظاهر أنه بحسب اختلاف الأحوال والأزمان والأشخاص ، فيمكن أن يقال : في الذكر مرة ، إنها أدنى ما يقال ، لأنها ما تحتها شيء . وفي الست : إن الأيام ستة ، فمن ذكر ست مرات فكأنه ذكر في كل يوم منها مرة ، فتستغرق أيامه ببركة الذكر . وفي العشر : كل حسنة بعشر أمثالها بالنص . وفي إحدى عشرة كذلك ، ولكن زيادة الواحدة عليها للجزم بتحقق العشرة . وفي خمس وعشرين إن ساعات الليل والنهار أربع وعشرون ساعة ، فمن ذكر خمسا وعشرين فكأنما ذكر في كل ساعة من ساعات الليل والنهار ، والواحد الزائد للجزم بتحققها . وفي ثلاث وثلاثين إنها إذا ضوعفت ثلاث مرات تكون تسعا وتسعين ، فمن ذكر بثلاث وثلاثين فكأنما ذكر الله بأسمائه التسعة والتسعين التي ورد بها الحديث . وفي سبعين إنه إذا ذكر الله بهذا العدد يحصل له سبعمائة ثواب ، لكل واحد منها عشرة ، وقد صرح بذلك في حديث زميل الجهني ، وقد ذكرناه . وفي مائة : القصد فيها المبالغة في التكثير ، لأنها الدرجة الثالثة للأعداد . فإن قلت : إذا نقص من هذه الأعداد المعينة أو زاد ، هل يحصل له الوعد الذي وعد له فيه ؟ قلت : ذكر شيخنا زين الدين في ( شرح الترمذي ) قال : كان بعض مشايخنا يقول : إن هذه الأعداد الواردة عقيب الصلوات أو غيرها من الأذكار الواردة في الصباح والمساء وغير ذلك ، إذا كان ورد لها عدد مخصوص مع ثواب مخصوص ، فزاد الآتي بها في أعدادها عمدا لا يحصل له ذلك الثواب الوارد على الإتيان بالعدد الناقص ، فلعل لتلك الأعداد حكمة ، وخاصة تفوت بمجاوزة تلك الأعداد وتعديها ، ولذلك نهى عن الاعتداء في الدعاء . انتهى . قال الشيخ : فيما قاله نظر ، لأنه قد أتى بالمقدار الذي رتب على الإتيان به ذلك الثواب ، فلا تكون الزيادة مزيلة لذلك الثواب بعد حصوله عند الإتيان بذلك العدد . انتهى . قلت : الصواب هو الذي قاله الشيخ ، لأن هذا ليس من الحدود التي نهى عن اعتدائها ومجاوزة أعدادها ، والدليل على ذلك ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قال حين يصبح وحين يمسي : سبحان الله وبحمده مائة مرة ، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به ، إلاّ أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه . فإن قلت : الشرط في هذا أن يقول : الذكر المنصوص عليه بالعدد متتابعا أم لا ؟ والشرط أن يكون في مجلس واحد أم لا ؟ قلت : كل منهما ليس بشرط ، ولكن الأفضل أن يأتي به متتابعا ، وأن يراعي الوقت الذي عين فيه . ذكر ما يستفاد منه : من ذلك يتعلق بهذا الحديث المسألة المشهودة في التفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر ، فذهب الجمهور من الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر ، لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها ، وذلك مع الفقر أكثر