العيني
117
عمدة القاري
الرجل لا أخمص له . وقيل : لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بدهن . وقيل : المسيح الصديق ، وقيل : هو بالعبرانية مشيحا ، فعرب . وأما تسمية الدجال بهذا اللفظ فلأنه ، خداع ملبس من الدجل ، وهو الخلط ، ويقال الطلي والتغطية ، ومنه البعير المدجل أي : المدهون بالقطران ، ودجلة نهر ببغداد سميت بذلك لأنها تغطي الأرض بمائها ، وهذا المعنى أيضا في الدجال لأنه يغطي الأرض بكثرة أتباعه ، أو يغطي الحق بباطله . وقيل : لأنه مطموس العين من قولهم : دجل الأثر إذا عفى ودرس ، وقيل : من دجل أي : كذب ، والدجال : الكذاب . قوله : ( من فتنة المحيا وفتنة الممات ) ، والمحيا والممات كلاهما مصدران ميميان بمعنى : الحياة والموت ، ويحتمل زمان ذلك ، لأن ما كان معتلاً من الثلاثي فقد يأتي منه المصدر والزمان والمكان بلفظ واحد . أما فتنة الحياة فهي التي تعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات ، وأشدها وأعظمها ، والعياذ بالله تعالى ، أمر الخاتمة عند الموت ، وأما فتنة الموت فاختلفوا فيها ، فقيل : فتنة القبر ، وقيل : يحتمل أن يراد بالفتنة عند الاحتضار أضيفت إلى الموت لقربها منه . فإن قلت : إذا كان المراد من قوله : ( وفتنة الممات ) فتنة القبر ، يكون هذا مكررا ، لأن قوله : ( من عذاب القبر ) يدل على هذا ؟ قلت : لا تكرار ، لأن العذاب يزيد على الفتنة ، والفتنة سبب له ، والسبب غير المسبب . قوله : ( من المأثم ) أي : الإثم الذي يجر إلى الذم والعقوبة ، أو المراد هو الإثم نفسه ، وضعا للمصدر موضع الاسم . قوله : ( والمغرم ) أي : الدين ، يقال : غرم الرجل ، بالكسر إذا أدان . وقيل : الغرم والمغرم ، ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر بغير جناية منه ، وكذلك ما يلزمه أداؤه ، ومنه الغرامة ، والغريم : الذي عليه الدين ، والأصل فيه : الغرام ، وهو الشر الدائم والعذاب . قوله : ( فقال له قائل ) أي : قال للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، قائل سائلاً عن وجه الحكمة في كثرة استعاذته من المغرم ، فقال ، صلى الله عليه وسلم : إن الرجل إذا عزم يعني إذا لحقه دين حدث فكذب بأن يحتج بشيء في وفاء ما عليه ، ولم يقم به ، فيصير كاذبا ، ووعد فأخلف بأن قال لصاحب الدين : أوفيك دينك في يوم كذا ، أو في شهر كذا ، أو في وقت كذا ، ولم يوف فيه ، فيصير مخالفا لوعده ، والكذب وخلف الوعد من صفات المنافقين ، كما ورد في الحديث المشهور ، فلولا هذا الدين عليه لما ارتكب هذا الإثم العظيم ، ولما اتصف بصفات المنافقين . وكلمة : ما ، في قوله : ( ما أكثر ما تستعيذ ) للتعجب ، و : ما ، الثانية مصدرية يعني : ما أكثر استعاذتك من المغرم ، و : ما تستعيذ ، في محل النصب . قوله : ( حدث ) ، بالتشديد : جزاء الشرط . قوله : ( وكذب ) . بالتخفيف عطف عليه . قوله : ( ووعد ) عطف على : حدث . قوله : ( أخلف ) ، كذا هو في رواية الحموي ، وفي رواية الأكثرين : ( فأخلف ) ، بالفاء . فإن قلت : قوله : ( فتنة المحيا والممات ) يشمل جميع ما ذكر ، فلأي شيء خصصت هذه الأشياء الأربعة بالذكر ؟ قلت : لعظم شأنها وكثرة شرها ، ولا شك أن تخصيص بعض ما يشمله العام من باب الاعتناء بأمره لشدة حكمه ، وفيه أيضا عطف العام على الخاص ، وذلك لفخامة أمر المعطوف عليه وعظم شأنه ، وفيه اللف والنشر الغير المرتب ، لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات ، وفتنة الدجال تحت فتنة المحيا . فإن قلت : ما فائدة تعوذه صلى الله عليه وسلم من هذه الأمور التي قد عصم منها ؟ قلت : إنما ذلك ليلتزم خوف الله تعالى ، ولتقتدي به الأمة ، وليبين لهم صفة الدعاء . فإن قلت : سلمنا ذلك ، ولكن ما فائدة تعوذه من فتنة المسيح الدجال ، مع علمه بأنه متأخر عن ذلك الزمان بكثير ؟ قلت : فائدته أن ينتشر خبره بين الأمة من جيل إلى جيل ، وجماعة إلى جماعة ، بأنه كذاب مبطل مفتر ساعٍ على وجه الأرض بالفساد ، مموه ساحر ، حتى لا يلتبس على المؤمنين أمره عند خروجه ، عليه اللعنة ، ويتحققوا أمره ويعرفوا أن جميع دعاويه باطلة ، كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويجوز أن يكون هذا تعليما منه لأمته أو تعوذا منه لهم . فإن قلت : يعارض التعوذ بالله عن المغرم ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر ، يرفعه : ( إن الله تعالى مع الدائن حتى يقضي دينه ما لم يكن فيما يكرهه الله تعالى ) ، وكان ابن جعفر يقول لخادمه : إذهب فخذ لي بدين ، فإني أكره أن أبيت الليلة ، إلاّ والله معي . قال الطبراني : وكلا الحديثين صحيح . قلت : المغرم الذي استعاذ منه إما أن يكون في مباح ، ولكن لا وجه عنده لقضائه ، فهو متعرض لهلاك مال أخيه ، أو يستدين وله إلى القضاء سبيل غير أنه يرى ترك القضاء ، وهذا لا يصح إلاّ إذا نزل كلامه صلى الله عليه وسلم على التعليم ، لأمته ، أو يستدين من غير حاجة طمعا في مال أخيه ونحو ذلك ، وحديث جعفر فيمن يستدين لاحتياجه ، احتياجا شرعيا ونيته القضاء ، وإن لم يكن له سبيل إلى القضاء