العيني
108
عمدة القاري
وعن سليمان بن مسلم وعن محمود بن غيلان . وأخرجه ابن ماجة فيه عن عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن نمير . ذكر معناه : قوله : ( لم يجلس ) جملة حالية أي : لم يجلس للتشهد ، ووقع في رواية مسلم : ( فلم يجلس ) بالفاء ، ووقع في رواية ابن عساكر : ( ولم يجلس ) بزيادة : واو . قوله : ( حتى إذا قضى الصلاة ) أي : أداها وتممها ، والقضاء يأتي بمعنى الأداء كما في قوله تعالى وفيه : * ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) * ( الجمعة : 10 ) . أي : فإذا أديت . قوله : ( وهو جالس ) جملة حالية . قوله : ( سجدتين ) أي : سجدتي السهو . ذكر ما يستفاد منه : فيه : أن التشهد الأول غير واجب لقوله : ( لم يجلس ) ، وقد ذكرنا الخلاف فيه مستقصى . وفيه : أن الإمام إذا سها واستمر به السهو حتى يستوي قائما في موضع قعوده للتشهد الأول تبعه القوم ، قال الخطابي : فيه أن موضع سجدتي السهو قبل السلام ، ومن فرق بأن السهو إذا كان من نقصان سجد قبل السلام ، وإذا كان من زيادة سجد بعد السلام ، لم يرجع فيما ذهب إليه إلى فرق صحيح . قلت : قوله : موضع سجدتي السهو قبل السلام ، هو مذهب الشافعي وأحمد في رواية ، وهو مذهب الزهري ومكحول وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري والأوزاعي والليث بن سعد ، وقال ابن قدامة في ( المغني ) : السجود كله عند أحمد قبل السلام إلاّ في الموضعين اللذين ورد النص بسجودهما بعد السلام ، وهما : إذا سلم من نقص في صلاته ، أو تحرى الإمام فبنى على غالب ظنه ، وما عداهما يسجد له قبل السلام ، نص على هذا في رواية الأثرم . والجماعة المذكورون احتجوا بحديث الباب ، وقول الخطابي : ومن فرق بأن السهو . . . إلى آخره ، أشار به إلى مذهب مالك ، فإنه فصل ، وقال : إن سجود السهو للنقصان قبل السلام وللزيادة بعد السلام ، وإليه ذهب أبو ثور أيضا ونفر من الحجازيين . وأجاب الكرماني عن قول الخطابي : لم يرجع فيما ذهب إليه إلى فرق صحيح ، بأن الفرق صحيح ، لأنه قال : السجود في النقصان لجبر ما فات له من الصلاة ، فناسب أن يتداركه في نفس الصلاة ، وفي الزيادة لترغيم الشيطان ، فناسب خارج الصلاة . قلت : هذا دليل عقلي ، فلِمَ لَمْ يقل في رده على الخطابي : إن مالكا عمل في النقصان بحديث ابن بحينة ، وهو حديث الباب ، وبحديث معاوية أخرجه النسائي : ( أنه صلى إمامهم فقام في الصلاة وعليه جلوس فسبح الناس فتم على قيامه ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد أن أتم الصلاة ، ثم قعد على المنبر فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من نسي شيئا من صلاته فليسجد مثل هاتين السجدتين ) . ورواه الطحاوي بأصرح منه ، ولفظه : ( أن معاوية صلى بهم فقام وعليه جلوس فلم يجلس ، فلما كان في آخر السجدة من صلاته سجد سجدتين قبل أن يسلم ، فقال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ) . وعمل في النقصان بحديث ذي اليدين وغيره ، وقال الخطابي : وحديث ذي اليدين محمول على أن تأخيره صلى الله عليه وسلم بعد السلام كان عن سهو ، وذلك أن الصلاة قد توالى فيها السهو والنسيان مرات في أمور شتى ، فلم ينكر أن يكون هذا منها . انتهى . قلت : أشار به إلى الجواب عن حديث ذي اليدين الذي احتج به أصحابنا ، على أن سجدتي السهو بعد السلام ، وهذا غير سديد لأنه لا ضرورة إلى حمل تأخيره على السهو . وقال النووي : لأن جميع العلماء قائلون بجواز التقديم والتأخير ، ونزاعهم في الأفضل ، فتأخيره محمول على بيان الجواز . قلت : في قوله : ونزاعهم في الأفضل ، فيه نظر ، لأن القدوري قال : لو سجد للسهو قبل السلام ، روي عن أصحابنا أنه : لا يجوز لأنه أداه قبل وقته ، ولكن قال صاحب ( الهداية ) : هذا الخلاف في الأولوية ، وكذا قاله الماوردي في ( الحاوي ) وابن عبد البر وغيرهم ، وأصحابنا احتجوا فيما ذهبوا إليه بحديث المغيرة بن شعبة قال : ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسها ، فنهض في الركعتين فسبحنا به ، فمضى ، فلما أتم الصلاة وسلم سجد سجدتي السهو ) . أخرجه الطحاوي والترمذي . وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وأخرجه أبو داود أيضا واحتجوا أيضا بأحاديث رويت عن جماعة من الصخابة فيها سجود السهو بعد السلام ، وقد بينا ذلك في ( شرحنا لمعاني الآثار ) للحافظ أبي جعفر الطحاوي ، ومثل مذهبنا مروي عن جماعة من الصحابة وجماعة من التابعين ، أما الصحابة فهم : علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعمار بن ياسر وعبد الله بن الزبير وأنس بن مالك ، رضي الله تعالى عنهم ، وأما التابعون : فإبراهيم النخعي وابن أبي ليلى والحسن البصري ، وهو مذهب سفيان الثوري أيضا .