العيني

105

عمدة القاري

الركعتين حتى إذا هو أراد أن ينتهض إلى القيام قام بتكبيرة ) . قلت : هذا يخالف في الظاهر رواية عبد الحميد حيث قال : ( ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه كما كبر عند افتتاح الصلاة ) . قلت : التوفيق بينهما بأن يقول معنى قوله : ( إذا قام أي : إذا أراد القيام أو شرع فيه . قوله : ( فإذا جلس في الركعة الآخرة . . ) إلى آخره ، في رواية عبد الحميد : ( حتى إذا كانت السجدة التي يكون فيها التسليم ) ، وفي رواية عند ابن حبان : ( التي تكون عند خاتمة الصلاة ، أخر رجله اليسرى وقعد متوركا على شقه الأيسر ) . زاد ابن إسحاق في روايته : ( ثم سلم ) . وفي رواية عيسى عند الطحاوي : ( فلما سلم سلم عن يمينه : السلام عليكم ورحمة الله ، وعن شماله أيضا : السلام عليكم ورحمة الله ) وفي رواية أبي عاصم عن عبد الحميد عند أبي داود وغيره ( قالوا ) أي : الصحابة المذكورون : ( صدقت ، هكذا كان يصلي ) . ذكر ما يستفاد منه : احتج الشافعي ، رضي الله تعالى عنه ، ومن قال بقوله أن هيئة الجلوس في التشهد الأول مغايرة لهيئة الجلوس في التشهد الأخير ، وقد ذكرنا عن قريب اختلاف العلماء فيه . وقال الطحاوي : القعود في الصلاة كلها سواء ، وهو أن ينصب رجله اليمنى ويفترش رجله اليسرى فيقعد عليها ، ثم ذكر الاحتجاج في هذا بحديث وائل بن حجر الحضرمي ، قال : ( صليت خلف النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقلت : لأحفظن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فلما قعد للتشهد فرش رجله اليسرى ثم قعد عليها ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ، ثم عقد أصابعه وجعل حلقة بالإبهام والوسطى ، ثم جعل يدعو بالأخرى ) . وأخرجه الطبراني أيضا . قلت : هذا الذي ذكره هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ، وبه قال الثوري وعبد الله بن المبارك وأحمد في رواية . فإن قلت : لا يتم الاستدلال للحنفية بالحديث المذكور ، لأنه لم يذكر فيه إلاّ أنه فرش رجله اليسرى فقط . قلت : كثر الخلاف فيه فاكتفى بهذا المقدار ، وأما نصب رجله اليمنى فقد ذكرهه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : حدثنا ابن إدريس عن عاصم بن كليب عن أبيه ( عن وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس فثنى اليسرى ونصب اليمنى ) ، يعني في الصلاة . وحديث عائشة أيضا ، وقد تقدم عن قريب . فإن قلت : من أين علم أن المراد من قوله : ( فلما قعد للتشهد أفترش رجله اليسرى ثم قعد عليها ) وهي القعدة الأخيرة ؟ قلت : علم من قوله : ( ثم جعل يدعو ) ، أن الدعاء في التشهد لا يكون إلاّ في آخر الصلاة ، ثم أجاب الطحاوي عن حديث أبي حميد الذي احتج به الشافعي وغيره بما ملخصه : أن محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمع هذا الحديث من أبي حميد ، ولا من أحد ذكر مع أبي حميد ، وبينهما رجل مجهول ، ومحمد بن عمرو ذكر في الحديث أنه حضر أبو قتادة وسنه لا يحتمل ذلك ، فإن أبا قتادة قتل قبل ذلك بدهر طويل ، لأنه قتل مع علي ، رضي الله تعالى عنه ، وصلى عليه علي ، وقد رواه عطاف بن خالد عن محمد بن عمرو ، فجعل بينهما رجلاً . ثم أخرجه عن يحيى بن سعيد بن أبي مريم : حدثنا عطاف بن خالد حدثني محمد بن عمرو بن عطاء ( حدثني رجل أنه : وجد عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوسا . . ) فذكر نحو حديث أبي عاصم ، سواء فإن ذكروا تضعيف عطاف قيل لهم : وأنتم تضعفون عبد الحميد بن جعفر أكثر من تضعيفكم لعطاف ، مع أنكم لا تطرحون حديث عطاف كله ، إنما تصححون قديمه وتتركون حديثه ، هكذا ذكره ابن معين في كتايه ، وابن أبي مريم سماعه من عطاف قديم جدا ، وليس أحد يجعل هذا الحديث سماعا لمحمد بن عمرو من أبي حميد إلاّ عبد الحميد ، وهو عندكم أضعف ، وقد اعترض بعضهم بأنه لا يضر الثقة المصرح بسماعه أن يدخل بينه وبين شيخه واسطة ، إما لزيادة في الحديث وإما لتثبيت فيه ، وقد صرح محمد بن عمرو بسماعه ، وأن أبا قتادة اختلف في وقت موته ، فقيل : مات سنة أربع وخمسين ، وعلى هذا فلقاء محمد له ممكن . انتهى . قلت : هذا القائل أخذ كلامه هذا من كلام البيهقي ، فإنه ذكره في ( كتاب المعرفة ) والجواب عن هذا : أن إدخال الواسطة إنما يصح إذا وجد السماع ، وقد نفى الشعبي سماعه ، وهو أمام في هذا الفن ، فنفيه نفي وإثباته إثبات ، ومبني نفيه من جهة تاريخ وفاته أنه قال : قتل مع علي ، رضي الله تعالى عنه ، كما ذكرناه ، وكذا قال الهيثم بن عدي ، وقال ابن عبد البر : هو الصحيح . وفيه : رفع اليدين إلى المنكبين ، وإليه ذهب الشافعي وأحمد ، وقد قلنا إنه كان للعذر . وفيه : أن سنة الهيئة في الركوع ، أن لا يرفع رأسه إلى فوق ولا ينكسه ، ومن هذا قال صاحب ( الهداية ) : ويبسط ظهره ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع بسط ظهره ، ولا يرفع رأسه