العيني

11

عمدة القاري

والاستماع لقراءته ، فإن كان منه في مقام بعيد فهو بمنزلة صلاة السر . وقال أبو عمر في ( التمهيد ) : لم يختلف قول مالك : إنه من نسيها أي : الفاتحة في ركعة من صلاة ذات ركعتين أن صلاته تبطل أصلاً ولا تجزيه . واختلف قوله فيمن تركها ناسيا في ركعة من الصلاة الرباعية أو الثلاثية ، فقال مرة : يعيد الصلاة ولا تجزيه ، وهو قول ابن القاسم وروايته واختياره من قول مالك ، وقال مرة أخرى : يسجد سجدتي السهو وتجزيه ، وهي رواية ابن عبد الحكم وغيره عنه . قال : وقد قيل : إنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام . قال : قال الشافعي وأحمد : لا تجزيه حتى يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة . وفي ( المغني ) وروي عن عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، وعثمان بن أبي العاص وخوات بن جبير أنهم قالوا : لا صلاة إلاّ بقراءة فاتحة الكتاب . وعن أحمد : إنها لا تتعين ، وتجزيه قراءة آية من القرآن من أي موضع كان . وقال ابن حزم في ( المحلى ) : وقراءة أم القرآن فرض في كل ركعة من كل صلاة ، إماما كان أو مأموما ، والفرض والتطوع سواء ، والرجال والنساء سواء . وقال الثوري والأوزاعي في رواية ، وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد في رواية ، وعبد الله بن وهب وأشهب : لا يقرأ المؤتم شيئا من القرآن ولا بفاتحة الكتاب في شيء من الصلوات ، وهو قول ابن المسيب في جماعة من التابعين ، وفقهاء الحجاز والشام على أنه : لا يقرأ معه فيما يجهر به وإن لم يسمعه ويقرأ فيما يسر فيه الإمام ، ثم وجه استدلال الشافعي ومن معه بهذا الحديث ، وهو أنه : نفى جنس الصلاة عن الجواز إلاّ بقراءة فاتحة الكتاب . واستدل أصحابنا بقوله تعالى : * ( فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) * ( المزمل : 20 ) . أمر الله تعالى بقراءة ما تيسر من القرآن مطلقا ، وتقييده بالفاتحة زيادة على مطلق النص ، وذا لا يجوز لأنه نسخ ، فيكون أدنى ما ينطلق عليه القرآن فرضا لكونه مأمورا به ، وأن القراءة خارج الصلاة ليست بفرض ، فتعين أن يكون في الصلاة . فإن قلت : هذه الآية في صلاة الليل ، وقد نسخت فرضيتها ، وكيف يصح التمسك بها ؟ قلت : ما شرع ركنا لم يصر منسوخا ، وإنما نسخ وجوب قيام الليل دون فرض الصلاة وشرائطها وسائر أحكامها ، ويدل عليه أنه أمر بالقراءة بعد النسخ بقوله : * ( فاقرؤا ما تيسر منه ) * ( المزمل : 20 ) . والصلاة بعد النسخ بقيت نفلاً ، وكل من شرط الفاتحة في الفرض شرطها في النفل ، ومن لا فلا ، والآية تنفي اشتراطها في النفل ، فلا تكون ركنا في الفرض لعدم القائل بالفصل . فإن قلت : كلمة : ما ، مجملة ، والحديث معين ومبين ، فالمعين يقضي على المبهم . قلت : كل من قال بهذا يدل على عدم معرفته بأصول الفقه ، لأن كلمة : ما ، من ألفاظ العموم يجب العمل بعمومها من غير توقف ، ولو كانت مجملة لما جاز العمل بها قبل البيان كسائر مجملات القرآن ، والحديث معناه أي : شيء تيسر ، ولا يسوغ ذلك فيما ذكروه ، فيلزم الترك بالقرآن والحديث ، والعام عندنا لا يحمل على الخاص مع ما في الخاص من الاحتمالات . فإن قلت : هذا الحديث مشهور فإن العلماء تلقته بالقبول فتجوز الزيادة بمثله . قلت : لا نسلم أنه مشهور ، لأن المشهور ما تلقاه التابعون بالقبول ، وقد اختلف التابعون في هذه المسألة . ولئن سلمنا أنه مشهور فالزيادة بالخبر المشهور إنما تجوز إذا كان محكما ، أما إذا كان محتملاً فلا ، وهذا الحديث محتمل ، لأن مثله يستعمل لنفي الجواز ، ويستعمل لنفي الفضيلة لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد ) ، والمراد نفي الفضيلة ، كذا هو ، ويؤكد هذا التأويل قوله تعالى : * ( إنهم لا إيمان لهم ) * ( التوبة : 12 ) . معناه أنه لا أيمان لهم موثوقا بها ، ولم ينف وجود الأيمان منهم رأسا ، لأنه قال : وإن نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم ) * ( التوبة : 12 ) . وعقب ذلك أيضا بقوله : * ( أَلاَ تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ) * ( التوبة : 13 ) . فثبت أنه لم يرد بقوله : * ( أنهم لا أيمان لهم ) * ( التوبة : 12 ) . نفى الايمان أصلاً ، وإنما أراد به ما ذكرناه ، وهذا يدل على إطلاق لفظة : لا ، والمراد بها نفي الفضيلة دون الأصل ، كما ذكرنا من النظير ، وقال بعضهم : ولأن نفي الأجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة ، ولأنه السابق إلى الفهم فيكون أولى ، ويؤيده رواية الإسماعيلي من طريق العباس بن الوليد القرشي أحد شيوخ البخاري عن سفيان بلفظ : ( لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ) . قلت : لا نسلم قرب نفي الأجزاء إلى نفي الحقيقة ، لأنه محتمل لنفي الأجزاء ولنفي الفضيلة ، والحمل على نفي الكمال أولى ، بل يتعين لأن نفي الأجزاء يستلزم نفي الكمال فيكون فيه نفي شيئين ، فتكثر المخالفة فيتعين نفي الكمال ، ودعواه التأييد بهذا الحديث الذي أخرجه الإسماعيل وابن خزيمة لا يفيده ، لأن هذا ليس له من القوة ما يعارض ما أخرجه الأئمة الستة ، على أن ابن حبان قد ذكر أنه لم يقل في خبر العلاء ابن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة إلاّ شعبة ، ولا عنه إلاّ وهب بن جرير ، وقال هذا القائل أيضا ) : وقد أخرج ابن خزيمة عن محمد بن الوليد القرشي عن سفيان حديث الباب ، ولفظه : ( لا صلاة إلاّ بقراءة فاتحة الكتاب ) ، فلا يمنع أن يقال : إن قوله :