العيني
100
عمدة القاري
أبيه لأنه لم يكن في المنزل من الرجال غيره ، أو لأنه أوصاه بهم . قوله : ( فقال ) أي : أبو بكر : ( يا غنثر ) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الثاء المثلثة وضمها أيضا ، قال ابن قرقول : معناه : يا لئيم يا دنيء . وقيل : الثقيل الوخم . وقيل : الجاهل ، من الغثارة وهي الجهل ، والنون زائدة . وقيل : مأخوذ من الغثر وهو السقوط . وقال عياض : وعن بعض الشيوخ : يا عنتر ، بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوق ، وهو : الذباب الأزرق ، شبهه به تحقيرا له ، والأول هو الرواية المشهورة ، قاله النووي . قوله : ( فجدع ) ، بفتح الجيم وتشديد الدال المهملة وفي آخره عين مهملة ، أي : دعا بالجدع ، وهو قطع الأنف أو الأذن أو الشفة ، وهو بالأنف أخص . وقيل : معناه السب . وقال القرطبي : فيه البعد لقوله : فجدع وسب ، وقال ابن قرقول : وعند المروزي بالزاي قال : وهو وهم . قال القرطبي : وكل ذلك من أبي بكر ، رضي الله تعالى عنه ، على ابنه ظنا منه أنه فرط في حق الأضياف ، فلما تبين له أن ذلك كان من الأضياف أدَّبهم بقوله : ( كلوا لا هنيئا ) ، وحلف أن لا يطعمه . وقيل : إنه ليس بدعاء عليهم إنما هو خبر ، أي : لم تتهنوا به في وقته . وقال السفاقسي : إنما خاطب بذلك أهله لا أضيافه . و : هنيئا ، منصوب على أن فعله محذوف واجب حذفه في السماع ، والتقدير : هناك الله هنيئا ، وهنيئا دخل عليه حرف النفي . قوله : ( وأيم الله ) ، مبتدأ وخبره محذوف أي : أيم الله قسمي ، وهمزته همزة وصل لا يجوز فيها القطع عند الأكثرين ، والأصل فيه : يمين الله ، ثم جمع اليمين على أيمن ، ولما كثر استعماله في كلامهم خففوه بحذف النون فقالوا : أيم الله ، وفيه لغات قد ذكرناها في : باب الصعيد الطيب وضوء المسلم . قوله : ( إلاَّ رَبَا ) أي : زاد . قوله : ( وصارت ) أي : الأطعمة . قوله : ( أكثر مما كانت ) ، بالثاء المثلثة ، ويروى بالباء الموحدة : أكبر ، قوله : ( فإذا هي كما هي ) ، أي : فإذا الأطعمة كما هي على حالها لم تنقص شيئا ، والفاء فيه : فاء المفاجأة . قوله : ( فقال لامرأته ) ، أي : فقال أبو بكر لزوجته . وهي : أم عبد الرحمن وأم رومان . قوله : ( يا أخت بني فراس ) إنما قال كذلك لأنها زينب بنت دهمان ، بضم الدال المهملة وسكون الهاء ، أحد بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة ، كما ذكرناه عن قريب . وقال النووي : معناه يا من هي من بني فراس . قوله : ( ما هذا ؟ ) استفهام من أبي بكر عن حال الأطعمة . قوله : ( قالت : لا وقرة عيني ) ، كلمة : لا ، زائدة للتأكيد ، ونظائره مشهورة ، ويحتمل أن تكون : لا ، نافية واسمها محذوف أي : لا شيء غير ما أقول ، وهو قولها : وقرة عيني ، و : الواو ، فيه واو القسم ، و : قرة العين ، بضم القاف وتشديد الراء : يعبر بها عن المسرة ، ورؤية ما يحب الإنسان . قيل : إنما قيل ذلك لأن عينه تقر لبلوغ أمنيته ، ولا يستشرف لشيء فيكون مشتقا من القرار . وقيل : مأخوذ من القر ، بالضم ، وهو : البرد ، أي : إن عينه باردة لسرورها وعدم تقلقها . وقال الأصمعي : أقر الله عينه ، أي : أبرد دمعه لأن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة . وقال الداودي : أرادت بقرَّة عينها النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فأقسمت به . وقال ثعلب : تقول قررت به عينا أقر . وفي ( الغريب المصنف ) و ( الإصلاح ) : قررت وقررت قرة وقرورا . وفي ( كتاب المثنى ) لابن عديس : وقرة ، وحكاه ابن سيده ، وفي ( الصحاح ) : تقر وتقر ، وأقر الله عينه : أعطاه حتى تقر ، فلا تطمح إلى من هو فوقه . وقال ابن خالويه : أي : ضحكت فخرج من عيني ماء قرور ، وهو البارد ، وهو ضد : أسخن الله عينه ، قال القزاز : وقال أبو العباس : ليس كما ذكر الأصمعي من أن دمعة الفرح باردة والحزن حارة ، قال : بل كل دمع حار . قالوا : ومعنى قولهم : هو قرة عيني إنما يريدون هو : رضى نفسي . قال : وقرة العين ناقة تؤخذ من المغنم قبل أن يقسم فيطبخ لحمها ويصنع فيجتمع أهل العسكر عليه فيأكلون منه قبل القسمة ، فإن كان من هذا فكأنه دعى له بالفرج والغنيمة . وفي ( كتاب الفاخر ) : قال أبو عمرو : معناه أنام الله عينك ، المعنى : صادف سرورا أذهب سهره فنام ، وحكى القالي : أقر الله عينك ، وأقر الله بعينك . قوله : ( فأكل منها ) ، أي : من الأطعمة . قوله : ( إنما كان ذلك من الشيطان ) ، يعني : يمينه وهو قوله : ( والله لا أطعمه أبدا ) ، قوله : ( ثم أكل منها لقمة ) ، وتكرار الأكل مع أنه واحد لأجل البيان . لأنه لما وقع الأول أراد الإبهام بأنه أكل لقمة ، أما تركه اليمين ومخالفته لأجل إتيانه بالأفضل ، للحديث الذي ورد فيه ، أو كان مراده لا أطعمه معكم ، أو : في هذه الساعة ، أو : عند الغضب ، وهذا مبني على أنه يقبل التقييد إذا كان اللفظ عاما ، وعلى أن الاعتبار لعموم اللفظ أو لخصوص السبب . قوله : ( إنما كان ذلك من الشيطان ) وفي رواية : الأولى من الشيطان يعني ، يمينه ، فأخزاه بالحنث الذي هو خير ، وفي بعض الروايات : ( لما جاء بالقصعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكل منها ) . قوله : ( فأصبحت عنده ) أي : أصبحت الأطعمة عند النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( عقد ) أي : عهد مهادنة ، وفي