العيني
88
عمدة القاري
عن الأب . وفيه : أن شيخ البخاري من أفراده . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في التوحيد عن محمد بن سلام عن هشيم . وأخرجه أبو داود في الصلاة عن عمرو بن عون عن خالد بن عبد الله وعن هناد عن عبثر بن القاسم . وأخرجه النسائي فيه عن هناد به ، وفي التفسير عن محمد بن كامل المروزي عن هشيم به . ذكر معناه : قوله : ( سرنا مع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ليلة ) من : سار يسير سيرا ، وفيه رواية عمران بن حصين : ( إنا أسرينا ) ، ويروى : ( سرينا ) ، وقد مضى الكلام فيه في باب الصعيد الطيب وضوء المسلم مستوفىً ، وذكرنا أيضا أن هذه الليلة في أي سفرة كانت . قوله : ( لو عرست بنا يا رسول الله ) ، جواب : لو ، محذوف تقديره : لكان أسهل علينا ، أو هو للتمني . وعرست ، بتشديد الراء من : التعريس ، وهو : نزول القوم في السفر آخر الليل للاستراحة . قوله : ( أنا أوقظكم ) ، وفي رواية مسلم في حديث أبي هريرة : ( فمن يوقظنا ؟ فقال بلال : أنا ) . قوله : ( فاضطجعوا ) ، يجوز أن يكون بصيغة الماضي ، ويجوز أن يكون بصيغة الأمر . قوله : ( إلى راحلته ) أي : إلى مركبه . قوله : ( فغلبته عيناه ) أي : عينا بلال ، وفي رواية السرخسي : ( فغلبت ) بغير ضمير . قوله : ( فنام ) ، أي : بلال . قوله : ( فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وقد طلع حاجب الشمس ) ، أي : طرفها ، وحواجب الشمس نواحيها . وفي رواية مسلم : ( فكان أول من استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم والشمس في ظهره ) . قوله : ( أين ما قلت ؟ ) يعني : أين الوفاء بقولك أنا أوقظكم ؟ . قوله : ( ما ألقيت ) ، على صيغة المجهول . وقوله : ( نومة ) مفعول نائب عن الفاعل . قوله : ( مثلها ) أي مثل هذه النومة التي كانت في هذا الوقت ، و : مثل ، لا يتعرف بالإضافة ، ولهذا وقع صفة للنكرة . قوله : ( إن الله قبض أرواحكم ) الأرواح : جمع روح ، يذكر ويؤنث ، وهو : جوهر لطيف نوراني يكدره الغذاء والأشياء الرديئة الدنية ، مدرك للجزئيات والكليات ، حاصل في البدن متصرف ، فيه غنىً عن الاغتذاء ، بريء عن التحلل والنماء ، ولهذا يبقى بعد فناء البدن إذ ليست له حاجة إلى البدن ، ومثل هذا الجوهر لا يكون من عالم العنصر بل من عالم الملكوت ، فمن شأنه أن لا يضره خلل البدن ويلتذ بما يلائمه ويتألم بما ينافيه ، والدليل على ذلك قوله تعالى : * ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ) * ( آل عمران : 169 ) . الآية . وقوله : صلى الله عليه وسلم : ( إذا وضع الميت على نعشه رفرف روحه فوق نعشه ، ويقول : يا أهلي ويا ولدي ) فإن قلت : كيف يفسر الروح وقد قال تعالى : * ( قل الروح من أمر ربي ) * ( الإسراء : 18 ) . قلت : معناه من الإبداعات الكائنة : بكن من غير مادة ، وتولد من أصل ، على أن السؤال كان عن قدمه وحدوثه ، وليس فيه ما ينافي جواز تفسيره . فإن قلت : إذا قبض الروح يكون الشخص ميتا ، لكنه نائم لا ميت ؟ قلت : المعنى من قبض الروح هنا قطع تعلقه عن ظاهر البدن فقط ، والموت قطع تعلقه بالبدن ظاهرا وباطنا ، فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم , ( إن الله قبض أرواحكم ) ، مثل قوله تعالى : * ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ) * ( الزمر : 42 ) . قوله : ( حين شاء ) ، في الموضعين ليس لوقت واحد ، فإن نوم القوم لا يتفق غالبا في وقت واحد ، بل يتتابعون فيكون حين الأول جزأ من أحيان متعددة . قوله : ( قم فأذن ) ، بتشديد الذال ، من التأذين . وفي رواية الكشميهني : ( فأذن ) ، بالمد ومعناه : أعلم الناس بالصلاة . قوله : ( فتوضأ ) أي : النبي صلى الله عليه وسلم ، وزاد أبو نعيم في ( المستخرج ) : فتوضأ الناس ) . قوله : ( وابياضت ) على وزن : افعالت ، من الابيضاض ، وهذه الصيغة تدل على المبالغة ، يقال : أبيض الشيء إذا صار ذا بياض ، ثم إذا أرادوا المبالغة فيه ينقلونه إلى باب الافعيلال ، فيقولون : ابياض . وكذلك : احمر واحمار ، وقال بعضهم : وقيل : إنما يقال ذلك في كل لون بين لونين ، فأما الخالص من البياض مثلاً فإنما يقال له أبيض ، قلت : هذا القول صادر عمن ليس له ذوق من علم الصرف ولا اطلاع فيه . قوله : ( قام فصلى ) ، وفي رواية أبي داود : ( فصلى بالناس ) . ذكر ما يستنبط منه : وهو على وجوه : الأول : فيه خروج الإمام بنفسه في الغزوات . الثاني : فيه جواز الالتماس من السادات فيما يتعلق بمصالحهم الدينية بل الدنيوية أيضا مما فيه الخير . الثالث : أن على الإمام أن يراعي المصالح الدينية . الرابع : فيه جواز الاحتراز عما يحتمل فوات العبادة عن وقتها . الخامس : فيه جواز التزام خادم بمراقبة ذلك . السادس : فيه الأذان للفائتة ، ولأجله ترجم البخاري الباب ، واختلف العلماء فيه فقال أصحابنا : يؤذن للفائتة ويقيم ، واحتجوا في ذلك بحديث عمران بن حصين ، رواه أبو داود وغيره ، وفيه : ( ثم أمر مؤذنا فأذن فصلى ركعتين قبل الفجر ثم أقام ثم صلى الفجر ) . وبه قال الشافعي في القديم ، وأحمد وأبو ثور وابن المنذر ، وإن فاتته صلوات أذن للأولى ، وأقام ، وهو مخير في الباقي : أن شاء أذن