العيني

62

عمدة القاري

عن ذلك يحتاج إلى ذكره لقصد التعريف . قوله : ( ثم انصرف ) ، أي : من الصلاة . قوله : ( أرأيتكم ) بفتح الراء وتاء الخطاب ، وقد استقصينا الكلام فيه في باب السمر بالعلم . قوله : ( فإن رأس ) ، وفي رواية الأصيلي : ( فإن على رأس مائة سنة ) . قوله : ( منها ) ، أي : من تلك الليلة . قوله : ( لا يبقى ) ، خبر : إن ، والتقدير : لا يبقى عنده أو فيه . وقال النووي : المراد أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة ، سواء قل عمره بعد ذلك أو لا وليس فيه نفي عيش أحد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة . وقال ابن بطال : إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه المدة تخترم الجيل الذين هم فيها ، فوعظهم بقصر أعمارهم وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأمم ليجتهدوا في العبادة . وقيل : أراد ا لنبي صلى الله عليه وسلم بالأرض : البلدة التي هو فيها : وقال تعالى : * ( ألَمْ تكن أرض الله واسعة ) * ( النساء : 97 ) . يريد المدينة . وقوله : ( ممن هو على وجه الأرض ) احتراز عن الملائكة ، وقد أمعنا الكلام فيه هناك . ذكر ما يستفاد منه : احتج به البخاري ومن قال بقوله على موت الخضر ، والجمهور على خلافه ، وقال السهيلي ، عن أبي عمر بن عبد البر : قد تواترت الأخبار باجتماع الخضر بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا يرد قول من قال : لو كان حيا لاجتمع بنبينا صلى الله عليه وسلم ، وأيضا عدم إتيانه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليس مؤثرا في الحياة ولا غيرها ، لأنا عهدنا جماعة آمنوا به ولم يروه مع الإمكان ، وزعم ابن عباس ووهب : أن الخضر كان نبيا مرسلاً ، وممن قال بنبوته أيضا : مقاتل وإسماعيل بن أبي زياد الشامي . وقيل : كان وليا . وقال أبو الفرج : والصحيح أنه نبي ، ولا يعترض على الحديث بعيسى ، لأنه ليس على وجه الأرض ، ولا بالخضر لأنه في البحر ، ولا لأنهما ليسا ببشر ، وكذا الجواب في إبليس . ويقال معنى الحديث : لا يبقى ممن ترونه وتعرفونه ، فالحديث عام أريد به الخصوص ، والجواب الأوجه في هذا أن نقول : إن المراد ممن هو على ظهر الأرض : أمته ، وكل من هو على ظهر الأرض : أمته المسلمون أمة إجابة ، والكفار أمة دعوة ، وعيسى والخضر ليسا داخلين في الأمة ، والشيطان ليس من بني آدم . 21 ( ( بابُ وَقْتِ العِشَاءِ إذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أوْ تَأَخَّرُوا ( ( أي : هذا باب في بيان وقت العشاء عند اجتماع الجماعة وعند تأخرهم ، فوقتها عند الاجتماع أول الوقت ، وعند التأخر التأخير وأما حد التأخير ففي حديث عمرو بن العاص : وقتها إلى نصف الليل الأوسط ، وفي رواية بريدة أنه صلى في اليوم الثاني بعدما ذهب ثلث الليل ، وفي رواية : عندما ذهب ثلث الليل ، ومثله في حديث أبي موسى : حين كان ثلث الليل ، وفي حديث جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، حين ذهب ساعة من الليل ، وفي رواية ابن عباس : إلى ثلث الليل ، وفي حديث أبي برزة : إلى نصف الليل أو ثلثه ، وقال مرة : إلى نصف الليل ، ومرة إلى ثلث الليل ، وفي حديث أنس : شطره ، وفي حديث ابن عمر : حين ذهب ثلثه ، وفي حديث جابر : إلى شطره ، وعنه إلى ثلثه ، وفي حديث عائشة : حين ذهب عامة الليل . واختلف العلماء بحسب هذا ، وقال عياض : وبالثلث قال مالك والشافعي في قول : وبنصف قال أصحاب الرأي وأصحاب الحديث والشافعي في قول ، وابن حبيب من أصحابنا . وعن النخعي : الربع ، وقيل : وقتها إلى طلوع الفجر ، وهو قول داود ، وهذا عند مالك وقت الضرورة . قلت : مذهب أبي حنيفة : التأخير أفضل إلاَّ في ليالي الصيف ، وفي ( شرح الهداية : تأخيرها إلى نصف الليل مباح ، وقيل : تأخيرها بعد الثلث مكروه ، وفي ( القنية ) : تأخيرها على النصف مكروه كراهة تحريم . وقال بعضهم : أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال : إنها تسمى العشاء إذا عجلت ، والعتمة إذا أخرت . قلت : هذا كلام واه ، لأن الترجمة لا تدل على هذا أصلاً ، وإنما أشار بهذا إلى أن اختياره في وقت العشاء التقديم عند الاجتماع ، والتأخير عند التأخر ، وهو نص الشافعي أيضا في ( الأم ) أنهم إذا اجتمعوا عجل ، وإذا أبطأوا أخر . 42 - ( حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن محمد بن عمرو وهو ابن الحسن بن علي قال سألنا جابر بن عبد الله عن صلاة النبي