العيني

54

عمدة القاري

الله تعالى ، ومثل المسلمين الذين قبلوا هدى الله ، وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمقصود من هذا الحديث ضرب المثل للناس الذين شرع لهم دين موسى ، عليه الصلاة والسلام ، ليعملوا الدهر كله بما يأمرهم به وينهاهم إلى أن بعث الله عيسى عليه الصلاة والسلام ، فأمرهم باتباعه فأبوا وتبرأوا مما جاء به ، وعمل آخرون بما جاء به عيسى ، عليه السلام ، فأمرهم على أن يعملوا بما يؤمرون به باقي الدهر ، فعملوا حتى بعث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى العمل بما جاء به ، فأبوا وعصوا ، فجاء الله تعالى بالمسلمين فعملوا بما جاء به ، واستكملوا إلى قيام الساعة ، فلهم أجر من عمل الدهر ، كله بعبادة الله تعالى ، كإتمام النهار الذي استؤجر عليه كله أول طبقة . وفي حديث ابن عمر : قدر لهم مدة أعمال اليهود ، ولهم أجرهم إلى أن نسخ الله تعالى شريعتهم بعيسى ، عليه الصلاة والسلام . وقال عند مبعث عيسى ، عليه السلام : من يعمل إلى مدة هذا الشرع وله أجر قيراط ؟ فعملت النصارى إلى أن نسخ الله تعالى ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ثم قال ، متفضلاً على المسلمين : من يعمل بقية النهار إلى الليل وله قيراطان ؟ فقال المسلمون : نحن نعمل إلى انقطاع الدهر ، فمن عمل من اليهود إلى أن آمن بعيسى عليه السلام ، وعمل بشريعته له أجره مرتين ، وكذلك النصارى إذا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث ، ( و : رجل آمن بنبيه وآمن بي ، يؤتى أجره مرتين ) . فإن قلت : حديث أبي موسى دل على أن الفريقين لم يأخذا شيئا ، وحديث ابن عمر دل على أن كلاً منهما أخذ قيراطا . قلت : ذلك فيمن ماتوا منهم قبل النسخ ، وهذا فيمن حرف أو كفر بالنبي الذي بعث بعد نبيه ، وقال ابن رشد ما محصله : إن حديث ابن عمر ذكر مثالاً لأهل الأعذار لقوله : فعجزوا ، فأشار إلى أن من عجز عن استيفاء العمل من غير أن يكون له صنيع في ذلك الأجر يحصل له تاما فضلاً من الله تعالى ، وذكر حديث أبي موسى مثالاً لمن أخر من غير عذر ، وإلى ذلك إشارة بقوله عنهم : لا حاجة لنا إلى أجرك ، فأشار بذلك إلى أن من أخر عامدا لا يحصل له ما حصل لأهل الأعذار . وقال الخطابي : دل حديث ابن عمر ان مبلغ أجرة اليهود لعمل النهار كله قيراطان ، وأجرة النصارى للنصف الباقي من النهار إلى الليل قيراطان . ولو تمموا العمل إلى آخر النهار لاستحقوا تمام الأجرة ، وهو : قيراط ، ثم إن المسلمين لما استوفوا أجرة الفريقين معا حاسدوهم ، وقالوا : . . . . الخ يعني قولهم : إي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين . . . الخ . ولو لم تكن صورة الأمر على هذا لم يصح هذا الكلام . وفي طريق أبي موسى زيادة بيان له ، وقولهم : لا حاجة لنا ، إشارة إلى أن تحريفهم الكتب وتبديلهم الشرائع وانقطاع الطريق بهم عن بلوغ الغاية ، فحرموا تمام الأجرة لجنايتهم على أنفسهم حين امتنعوا من تمام العمل الذي ضمنوه . 18 ( ( بابُ وقْتِ المغْرَبَ ) ) أي : هذا باب في بيان وقت صلاة المغرب . ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله ظاهر لا يخفى . وقال عَطَاءٌ يَجْمَعُ المَرِيضُ بَيْنَ المَغْرَبَ والعِشَاءِ عطاء هو ابن أبي رباح ، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في ( مصنفه ) عن ابن جريج عنه ، وبقوله : قال أحمد وإسحاق وبعض الشافعية ، وهذا بناء على أن وقت المغرب والعشاء واحد عنده ، وقال عياض : الجمع بين الصلوات المشتركة في الأوقات تكون تارة سنة وتارة رخصة ، فالسنة الجمع بعرفة والمزدلفة . وأما الرخصة فالجمع في السفر والمرض والمطر ، فمن تمسك بحديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، وقد أمَّه ، لم ير الجمع في ذلك ، ومن خصه أثبت جواز الجمع في السفر بالأحاديث الواردة فيه ، وقاس المرض عليه ، فنقول : إذا أبيح للمسافر الجمع بمشقة السفر ، فأحرى أن يباح للمريض . وقد قرن الله تعالى المريض بالمسافر في الترخيص له في الفطر والتيمم ، وأما الجمع في المطر فالمشهور من مذهب مالك إثباته في المغرب والعشاء ، وعنه قولة شاذة : إنه لا يجمع إلاَّ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومذهب المخالف جواز الجمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، في المطر . فإن قلت : ما وجه مطابقة هذا الأثر للترجمة ؟ قلت : من حيث إن وقت المغرب يمتد إلى العشاء ، والترجمة في بيان وقت المغرب .