العيني
31
عمدة القاري
مطيرة ، بفتح الميم وكسر الطاء ، أي : كثيرة المطر . قوله : ( قال : عسى ) أي : قال جابر بن زيد : عسى ذلك كان في الليلة المطيرة ، فاسم عسى وخبره محذوفان . ذكر ما يستفاد منه : تكلمت العلماء في هذا الحديث ، فأوله بعضهم على أنه جمع بعذر المطر ، ويؤيد هذا ما رواه أبو داود : حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزبير المكي عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس ، قال : ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر . قال مالك : أرى ذلك كان في مطر ) . وأخرجه مسلم والنسائي ، وليس فيه كلام مالك ، رحمه الله . وقال الخطابي : وقد اختلف الناس في جواز الجمع بين الصلاتين للمطر في الحضر فأجازه جماعة من السلف ، روي ذلك عن ابن عمر ، وفعله عروة بن الزبير ، رضي الله تعالى عنهم ، وابن المسيب وعمر ابن عبد العزيز وأبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة وعامة فقهاء المدينة ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، غير أن الشافعي اشترط في ذلك أن يكون المطر قائما في وقت افتتاح الصلاتين معا ، وكذلك قال أبو ثور ولم يشترط ذلك غيرهما . وكان مالك يرى أن يجمع الممطور في الطين وفي حالة الظلمة ، وهو قول عمر بن عبد العزيز . وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي : يصلي الممطور كل صلاة في وقتها . قلت : هذا التأويل ترده الرواية الأخرى ( من غير خوف ولا مطر ) وأوله بعضهم على أنه كان في غيم فصلى الظهر ، ثم انكشف وبان أن أول وقت العصر دخل فصلاها ، وهذا باطل لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء ، وأوله آخرون على أنه كان بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار . وقال النووي وهو قول أحمد والقاضي حسين من أصحابنا ، واختاره الخطابي والمتولي والروياني من أصحابنا ، وهو المختار لتأويله لظاهر الحديث ، ولأن المشقة فيه أشق من المطر . قلت : هذا أيضا ضعيف لأنه مخالف لظاهر الحديث ، وتقييده بعذر المطر ترجيح بلا مرجح وتخصيص بلا مخصص ، وهو باطل ، وأحسن التأويلات في هذا وأقربها إلى القبول أنه على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاها فيه ، فلما فرغ عنها دخلت الثانية فصلاها ، ويؤيد هذا التأويل ويبطل غيره ما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ، قال : ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير وقتها إلاَّ بجمع ، فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع ، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها ) . وهذا الحديث يبطل العمل بكل حديث فيه جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، سواء كان في حضر أو سفر أو غيرهما . فإن قلت : في حديث ابن عمر : ( إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق ) ، رواه أبو داود وغيره ، وهذا صريح في الجمع في وقت إحدى الصلاتين . وقال النووي : وفيه إبطال تأويل الحنفية في قولهم إن المراد بالجمع تأخير الأولى إلى آخر وقتها ، وتقديم الثانية إلى أول وقتها ، ومثله في حديث أنس : إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ، ثم نزل فجمع بينهما ، وهو صريح في الجمع بين الصلاتين في وقت الثانية ، والرواية الأخرى أوضح دلالة وهي قوله : إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ، ثم يجمع بينهما . وفي الرواية الأخرى : ( ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حتى يغيب الشفق ) . قلت : الجواب عن الأول : أن الشفق نوعان : أحمر وأبيض ، كما اختلف العلماء من الصحابة وغيرهم فيه ، ويحتمل أنه جمع بينهما بعد غياب الأحمر فتكون المغرب في وقتها على قول من يقول الشفق هو الأبيض ، وكذلك العشاء تكون في وقتها على قول من يقول الشفق هو الأحمر ، ويطلق عليه أنه جمع بينهما بعد غياب الشفق ، والحال أنه صلى كل واحدة منهما في وقتها على اختلاف القولين في تفسير الشفق ، وهذا مما فتح لي من الفيض الإلهي . وفيه : إبطال لقول من ادعى بطلان تأويل الحنفية في الحديث المذكور . والجواب عن الثاني : أن معنى قوله : أخر الظهر إلى وقت العصر أخره إلى وقته الذي يتصل به وقت العصر فصلى الظهر في آخر وقته ، ثم صلى العصر متصلاً به في أول وقت العصر ، فيطلق عليه أنه جمع بينهما ، لكنه فعلاً لا وقتا . والجواب عن الثالث : أن أول وقت العصر مختلف فيه كما عرف ، وهو إما بصيرورة ظل كل شيء مثله أو مثليه ، فيحتمل أنه أخر الظهر إلى أن صار ظل كل شيء مثله ثم صلاها وصلى عقيبها العصر ، فيكون قد صلى الظهر في وقتها على قول من يرى أن آخر وقت الظهر بصيرورة ظل كل شيء مثله ، ويكون قد صلى العصر في وقتها على قول من يرى أن أول