العيني

203

عمدة القاري

ذكر معناه : وقد ذكرنا أكثر معانيه وما يتعلق به في : باب حد المريض أن يشهد الجماعة ، فإنه روى هذا الحديث هناك من حديث الأسود عن عائشة ، وبيَّنا هناك ما ذكر فيه من اختلاف الروايات . قوله : ( رقيق ) أي : رقيق القلب . قوله : ( لم يستطع ) أي : من البكاء لكثرة الحزن ورقة القلب . قوله : ( فعادت ) أي : عائشة إلى مقالتها الأولى . قوله : ( فإنكن ) ، الخطاب لجنس عائشة ، وإلاَّ فالقياس أن يقال : فإنك ، بلفظ المفرد . قوله : ( فأتاه الرسول ) ، أي : فأتى أبا بكر رسول النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ الأمر بصلاته بالناس ، وكان الرسول هو بلال ، رضي الله تعالى عنه . قوله : ( فصلى بالناس في حياة النبي ، صلى الله عليه وسلمفإن قلت : أي : إلى أن مات ، وكذا صرح به موسى بن عقبة في ( المغازي ) [ / ح . ذكر ما يستفاد منه : وهو على وجوه : الأول : فيه دلالة على فضل أبي بكر ، رضي الله تعالى عنه . الثاني : فيه أن أبا بكر صلى بالناس في حياة النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وكانت في هذه الإمامة التي هي الصغرى دلالة على الإمامة الكبرى . الثالث : فيه أن الأحق بالإمامة هو الأعلم ، واختلف العلماء فيمن هو أولى بالإمامة . فقالت طائفة : الأفقه ، وبه قال أبو حنيفة ومالك والجمهور . وقال أبو يوسف وأحمد وإسحاق : الأقرأ ، وهو قول ابن سيرين وبعض الشافعية ، ولا شك في اجتماع هذين الوصفين في حق الصديق ، ألا ترى إلى قول أبي سعيد : وكان أبو بكر أعلمنا ، ومراجعة الشارع بأنه هو الذي يصلي تدل على ترجيحه على جميع الصحابة وتفضيله . فإن قلت : في حديث أبي مسعود البدري الثابت في مسلم : ( ليؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى ) ، يعارض هذا ؟ قلت : لا ، لأنه لا يكاد يوجد إذ ذاك قارىء إلاّ وهو فقيه ، وأجاب بعضهم : بأن تقديم الأقرأ كان في أول الإسلام حين كان حفاظ الإسلام قليلاً ، وقد قدم عمرو بن سلمة وهو صغير على الشيوخ لذلك ، وكان سالم يؤم المهاجرين والأنصار في مسجد قباء حين أقبلوا من مكة لعدم الحفاظ حينئذ ، وقال أصحابنا : أولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة ، أي : بالفقه والأحكام الشرعية إذا كان يحسن من القراءة ما تجوز به الصلاة ، وهو قول الجمهور ، وإليه ذهب عطاء والأوزاعي ومالك والشافعي . وعن أبي يوسف : أقرأ الناس أولى بالإمامة ، يعني : أعلمهم بالقراءة وكيفية أداء حروفها ووقوفها وما يتعلق بالقراءة ، وهو أحد الوجود عند الشافعية . وفي ( المبسوط ) وغيره : أنما قدم الأقرأ في الحديث لأنهم كانوا في ذلك الوقت يتلقونه بأحكامه ، حتى روي أن ابن عمر ، رضي الله تعالى عنها ، حفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة ، فكان الأقرأ فيهم هو الأعلم بالسنة والأحكام ، وعن ابن عمر أنه قال : ما كانت تنزل السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ ونعلم أمرها ونهيها وزجرها وحلالها وحرامها ، والرجل اليوم يقرأ السورة ولا يعرف من أحكامها شيئا . فإن قلت : لما كان أقرؤهم أعلمهم فما معنى قوله ، صلى الله عليه وسلم : ( فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ؟ ) وأقرؤهم هو : أعلمهم بالسنة في ذلك الوقت لا محالة على ما قالوا ؟ قلت : المساواة في القراءة توجيهها في العلم في ذلك الزمان ظاهرا لا قطعا ، فجاز تصور مساواة الاثنين في القراءة مع التفاوت في الأحكام ، ألاَ ترى أن أبي بن كعب ، رضي الله تعالى عنه ، كان أقرأ وابن مسعود كان أعلم وأفقه . وفي ( النهاية ) : استقل بحفظ القرآن ستة : أبو بكر وعثمان وعلي وزيد وأبي وابن مسعود . رضي الله تعالى عنهم ، وعمر ، رضي الله تعالى عنه ، كان أعلم وأفقه من عثمان ، ولكن كان يعسر عليه حفظ القرآن ، فجرى كلامه ، صلى الله عليه وسلم ، على الأعم الأغلب . فإن قلت : الكلام في الأفضلية مع الاتفاق على الجواز على أي وجه كان ، وقوله ، صلى الله عليه وسلم : ( فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ) ، بصيغة تدل على عدم جواز إمامة الثاني عند وجود الأول ، لأن صيغته صيغة إخبار ، وهو في اقتضاء الوجوب آكد من الأمر ، وأيضا فإنه ذكره بالشرط والجزاء فكان اعتبار الثاني إنما كان بعد وجود الأول لا قبله قلت : صيغة الإخبار لبيان الشرعية لا أنه لا يجوز غيره ، كقوله صلى الله عليه وسلم : ( يمسح المقيم يوما وليلة ) . ولئن سلمنا أن صيغة الإخبار محمولة على معنى الأمر ، ولكن الأمر يحمل على الاستحباب لوجود الجواز بدون الاقتداء بالإجماع . فإن قلت : لو كان المراد في الحديث من قوله : ( يؤم القوم أقرؤهم ) هو الأعلم لكان يلزم تكرار الأعلم في الحديث ، ويكون التقدير : يؤم القوم أعلمهم ، فإن تساووا فأعلمهم ؟ قلت : المراد من قوله : كان أقرؤهم أعلمهم ، يعني : أعلمهم بكتاب الله دون السنة . ومن قوله : أعلمهم بالسنة أعلمهم بأحكام الكتاب والسنة جميعا . فكان الأعلم الثاني غير الأعلم الأول . فإن قلت : حديث أبي مسعود الذي أخرجه البخاري ومسلم : ( يؤم القوم أقرؤهم ) ، الحديث يعارضه قوله ، صلى الله عليه وسلم : ( مروا أبا بكر يصلي