العيني

196

عمدة القاري

في قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل : ( عفر وجهك بالتراب ) فإن قلت : ما تقول في حديث يزيد بن المقدام عند ابن أبي شيبة : عن المقدام عن أبيه شريح أنه سأل عائشة : أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الحصير ؟ فإني سمعت في كتاب الله عز وجل * ( وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ) * ( الإسراء : 8 ) . فقالت : لا لم يكن يصلي عليه . قلت : هذا ليس بصحيح لضعف يزيد ، ويرده الرواية الصحيحة . الرابع : فيه جواز التطوع بالجماعة . الخامس : فيه استحباب صلاة الضحى ، لأن أنسا أخبر أنه صلى الله عليه وسلم صلاها ، ولكن ما رآها إلاَّ يومئذ ، يعني : يوم كان في منزل رجل من الأنصار . وروى أبو داود من حديث أم هانىء بنت أبي طالب ، رضي الله تعالى عنها : ( ان رسول الله صلى يوم الفتح سبحة الضحى ثمان ركعات يسلم في كل ركعتين ) وروي أيضا عن عائشة رضي الله عنها ( أن عبد الله بن شقيق سألها : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ؟ قالت : لا إلاَّ أن يجيء من مغيبه . . . ) الحديث . وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي مطولاً ومختصرا ، والجمع بين حديث عائشة في نفي صلاته صلى الله عليه وسلم الضحى وإثباتها هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها في بعض الأوقات لفضلها ، ويتركها في بعضها خشية أن تفرض . وتأويل قولها : لا إلاَّ أن يجيء من مغيبه ، ما رأيته ، كما قالت في الرواية الأخرى : ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى ) . وسببه أنه صلى الله عليه وسلم ، ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلاّ في نادر من الأوقات ، وقد يكون في ذلك مسافرا ، وقد يكون حاضرا ولكنه في المسجد أو في موضع آخر ، وإذا كان عند نسائه فإنما كان لها يوم من تسعة فيصح قولها : ما رأيته يصليها ، كما في رواية مسلم ، وكذا يصح قولها : لا ، كما في رواية أبي داود ، أو يكون معنى قولها : لا ما رأيته يصليها ويداوم عليها ، فيكون نفيا للمداومة لا لأصلها . فافهم . فإن قلت : قد صح عن ابن عمر أنه قال في الضحى : هي بدعة قلت : هو محمول على أن صلاتها في المسجد والتظاهر بها ، كما كانوا يفعلونه بدعة ، لا أن أصلها في البيوت ونحوها مذموم ، أو يقال : قوله : بدعة أي : المواظبة عليها ، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يواظب عليها خشية أن تفرض . وقد يقال : إن ابن عمر لم يبلغه فعل النبي صلى الله عليه وسلم الضحى وأمره بها ، وكيف ما كان ، فجمهور العلماء على استحباب الضحى ، وإنما نقل التوقف فيها عن ابن مسعود وابن عمر . وقال ابن أبي شيبة : حدثنا وكيع حدثنا شعبة عن توبة العنبري عن مورق العجلي ، قال : قلت لابن عمر : أتصلي الضحى ؟ قال : لا . قلت : صلاها عمر ؟ قال : لا . قلت : صلاها أبو بكر ؟ قال : لا . قلت : صلاها النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا أخال . حدثنا وكيع حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة ، قال : لم يخبرني أحد من الناس أنه رأى ابن مسعود يصلي الضحى . السادس : فيه جواز ترك الجماعة لأجل السمن ، وزعم ابن حبان في ( صحيحه ) : أنه تتبع الأعذار المانعة من إتيان الجماعة من السنن ، فوجدها عشرا : المرض المانع من الإتيان إليها ، وحضور الطعام عند المغرب ، والنسيان العارض في بعض الأحوال ، والسمن المفرط ، ووجود المرء حاجته في نفسه ، وخوف الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد ، والبرد الشديد ، والمطر المؤذي ، ووجود الظلمة التي يخاف المرء على نفسه المشي فيها ، وأكل الثوم والبصل والكراث . 42 ( ( بابٌ إذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وأُقِيمتِ الصَّلاَةُ ) ) أي : هذا باب ترجم فيه إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة ، وجواب : إذا ، محذوف ، تقديره : يقدم الطعام على الصلاة ، وإنما لم يذكر الجواب تنبيها على أن الحكم بالنفي أو بالإثبات غير مجزوم به لقوة الخلاف فيه . وكانَ ابنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِالعِشَاءِ هذا الأثر يبين أن جواب : إذا ، في الترجمة الإثبات ، وفيه المطابقة بينه وبين الترجمة ، وهذا الأثر مذكور في الباب بمعناه مسندا قريبا حيث قال : ( وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وإنه ليسمع قراءة الإمام ) . وفي ( سنن ابن ماجة ) من طريق صحيح : وتعشى ابن عمر ليلة وهو ليسمع الإقامة ، و : العشاء ، بفتح العين وبالمد : الطعام بعينه ، وهو خلاف الغداء . وقال أبُو الدَّرْدَاءِ مِنْ فِقْهِ المَرْءِ إقْبَالُهُ عَلَى حاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلاَتِهِ وقَلْبُهُ فارِغٌ هذا الأثر مثل ذلك في بيان جواب : إذا ، في الترجمة . وفيه المطابقة للترجمة ، لأن معنى قوله : ( إقباله على حاجته ) أعم من إقباله إلى الطعام إذا حضر ، ومن قضاء حاجة نفسه إذا دعته إليه . قوله : ( وقلبه فارغ ) أي : من الشواغل الدنياوية ليقف بين يدي الرب ،