العيني
178
عمدة القاري
من اليوم المذكور يوم القيامة ، والدليل عليه أن عبد الله بن المبارك صرح به في روايته عن عبد الله بن عمر على ما يجيء في كتاب الحدود ، وظل طوبى أو ظل الجنة إنما يكون بعد استقرارهم في الجنة ، وهذا عام في حق كل من يدخلها ، والحديث يدل على امتياز هؤلاء السبعة من بين الخلق ، ولا يكون ذلك إلاَّ يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين ، ودنت منهم الشمس ، ويشتد عليهم حرها ويأخذهم الغرق ولا ظل هناك لشيء إلا ظل العرش . قوله : ( الأمام العادل ) ، خبر مبتدأ محذوف تقديره : أحد السبعة : الأمام العادل . والكلام فيه من وجوه : الأول : إن قوله : ( العادل ) اسم فاعل من العدل ، وقال أبو عمر : أكثر رواة ( الموطأ ) رووه . . . عادل ، وقد رواه بعضهم ؛ عدل ، وهو المختار عند أهل اللغة . يقال : رجل عدل . ورجال عدل ، وامرأة عدل . ويجوز أمام عادل على اسم الفاعل ، يقال : عدل فهو عادل ، كما يقال : ضرب فهو ضارب . وقال ابن الأثير : العدل في الأصل مصدر سمي به فوضع موضع العادل ، وهو أبلغ منه لأنه جعل المسمى نفسه عدلاً . الثاني : معناه : الواضع كل شيء في موضعه . وقيل : المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط ، سواء كان في العقائد أو في الأعمال أو في الأخلاق . وقيل : الجامع بين أمهات كمالات الإنسان الثلاث ، وهي : الحكمة والشجاعة والعفة التي هي أوساط القوى الثلاث ، أعني : القوة العقلية والغضبية والشهوانية . وقيل : المطيع لأحكام الله تعالى . وقيل المراعي لحقوق الرعية وهو عام في كل من أليه نظر في شيء من أمور المسلمين من الولاة والحكام . الثالث : قدم الإمام العادل في ذكر السبعة لكثرة مصالحه وعموم نفعه ، فالإمام العادل يصلح الله به أمورا عظيمة ، ويقال : ليس أحد أقرب منزلة من الله تعالى بعد الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، من إمام عادل . وقال ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما . ما حَكَمَ قوم بغير حق إلاَّ سلط الله عليهم إماما جائرا . قوله : ( وشاب ) أي : والثاني : من السبعة شاب نشأ في عبادة ربه ، يقال : نشأ الصبي ينشأ نشأ فهو ناشيء إذا كبر وشب . يقال : نشأ وأنشأ إذا خرج وابتدا ، وأنشأ يفعل كذا أي : ابتدأ يفعل ، وفي رواية الإمام أحمد عن يحيى القطان : ( شاب نشأ بعبادة الله ) ، وهي رواية مسلم أيضا ، وزاد حماد بن زيد من عبيد الله بن عمر : ( حتى توفي على ذلك ) ، أخرجه الجوزقي . وفي حديث سلمان : ( أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله ) . فإن قلت : لِمَ خص الثاني من السبعة بالشباب ، ولم يقل : رجل نشأ ؟ قلت : لأن العبادة في الشباب أشد وأشق لكثرة الدواعي وغلبة الشهوات ، وقوة البواعث على اتباع الهوى . قوله : ( ورجل قلبه ) أي : الثالث : رجل قلبه معلق في المساجد ، بفتح اللام . وقال الكرماني : أي : بالمساجد ، وحروف الجر بعضها يقوم مقام بعض ، ومعناه : شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها . قلت : رواية أحمد : ( معلق بالمساجد ) وفي رواية المستملي : ( متعلق ) ، بزيادة التاء المثناة من فوق بعد الميم ، ومعناه : شدة تعلق قلبه بالمساجد ، وإن كان خارجا عنه ، وتعلق قلبه بالمساجد كناية عن انتظاره أوقات الصلوات فلا يصلي صلاة ويخرج منه إلاَّ وهو منتظر وقت صلاة أخرى حتى يصلي فيه ، وهذا يستلزم صلاته أيضا بالجماعة . قوله : ( ورجلان تحابا ) أي : الرابع : رجلان تحابا ، بتشديد الباء الموحدة ، وأصله تحاببا ، فلما اجتمع الحرفان المتماثلان أسكن الأول منهما وأدرج في الثاني وهو حد الإدغام ، وهو من باب : التفاعل ، وقال الكرماني فإن قلت : التفاعل هو الإظهار إذ أصل الفعل حاصل له وهو منتف ولا يريد حصوله نحو تجاهلت ؟ قلت : قد يجيء لغير ذلك نحو : باعدته فتباعد . انتهى . قلت : التحقيق في هذا أن : تفاعل ، لمشاركة أمرين أو أكثر في أصله يعني في مصدر فعله الثلاثي صريحا ، نحو : تضارب زيد وعمرو ، فلذلك نقص مفعولاً عن فاعل ، وحاصله أن وضع فاعل لنسبة الفعل إلى الفاعل متعلقا بغيره ، مع أن الغير فعل مثل ذلك ووضع : تفاعل ، لنسبته إلى المشتركين في شيء من غير قصد إلى تعلق له ، فلذلك جاء الأول زائدا على الثاني بمفعول أبدا ، فإذا كان الأمر كذلك كان المقام يقتضي أن يقال : ورجلان تحاببا ، من باب : المفاعلة ، لا من باب : التفاعل ، ليدل على أن الغير فعل مثل ما فعل هو ، والجواب : عنه أن تفاعل ، قد يجيء للمطاوعة وهي كونها دالة على معنى حصل عن تعلق فعل آخر متعد كقولك : باعدته فتباعد ، فقولك : تباعد ، عبارة عن معنى حصل عن تعلق فعل متعد ، وههنا كذلك ، فإن تحابا عبارة عن معنى حصل عن تعلق حابب ، والجواب الذي قاله الكرماني غير مستقيم ، لأن معنى ذلك هو الدلالة على أن الفاعل أظهر أن المعنى الذي اشتق منه : تفاعل ، حصل له ، مع أنه ليس في الحقيقة كذلك . فمعنى : تجاهل زيد أنه أظهر الجهل من نفسه ، وليس عليه في الحقيقة ، وليس المعنى ههنا أنه أظهر المحبة من نفسه ، وليس عليه في الحقيقة . فافهم ، فإنه موضع دقيق . فإن قلت : قال : رجلان ، فيكون المذكور ثمانية لا سبعة ؟