العيني
151
عمدة القاري
قد تقدم سائره ، وروى البيهقي من حديث عبد الوهاب : عن عطاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ، رضي الله تعالى عنه : ( ما أدركت فهو أول صلاتك ) ، وعن ابن عمر بسند جيد مثله . الثاني : أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال فيبنى عليها ، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال فيقضيها ، وهو قول مالك . وقال ابن بطال عنه : ما أدرك فهو أول صلاته إلاَّ أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة ، وقال سحنون : هذا الذي لم يعرف خلافه دليله ما رواه البيهقي من حديث قتادة : أن علي بن أبي طالب قال : ( ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك ، واقض ما سبقك به من القرآن ) . الثالث : أن ما أدرك فهو أول صلاته إلاَّ أنه يقرأ فيها . بالحمد وسورة مع الإمام ، وإذا قام للقضاء قضى بالحمد وحدها ، لأنه آخر صلاته ، وهو قول المزني وإسحاق وأهل الظاهر . الرابع : أنه آخر صلاته وأنه يكون قاضيا في الأفعال والأقوال ، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في رواية ، وسفيان ومجاهد وابن سيرين . وقال ابن الجوزي : الأشبه بمذهبنا ومذهب أبي حنيفة أنه آخر صلاته ، وقال ابن بطال : روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وإبراهيم النخعي والشعبي وأبي قلابة ، ورواه ابن القاسم عن مالك ، وهو قول أشهب وابن الماجشون ، واختاره ابن حبيب ، واستدلوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : ( وما فاتكم فاقضوا ) . ورواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر ، وابن حزم بسند مثله عن أبي هريرة ، والبيهقي بسند لا بأس به على رأي جماعة عن معاذ بن جبل ، رضي الله تعالى عنه . والجواب عما استدل به الشافعي ومن تبعه وهو قوله : ( فأتموا ) : أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام ، فحمل قوله : ( فأتموا ) على أن : من قضى ما فاته فقد أتم لأن الصلاة تنقص بما فات ، فقضاؤه إتمام لما نقص . فإن قلت : قال النووي : وحجة الجمهور أن أكثر الروايات : ( وما فاتكم فأتموا ) . وأجيب : عن رواية : ( واقض ما سبقك ) بأن المراد بالقضاء الفعل لا القضاء المصطلح عليه عند الفقهاء ، وقد كثر استعمال القضاء بمعنى الفعل ، فمنه قوله تعالى : * ( فقضاهن سبع سماوات في يومين ) * ( فصلت : 12 ) . وقوله تعالى : * ( فإذا قضيتم مناسككم ) * ( البقرة : 200 ) . وقوله تعالى : * ( فإذا قضيت الصلاة ) * ( الجمعة : 10 ) . ويقال : قضيت حق فلان ، ومعنى الجميع : الفعل . قلت : أما الجواب عن قوله : ( فأتموا ) فقد ذكرناه آنفا ، وأما قوله : المراد بالقضاء : الفعل ، فمشترك الدلالة ، لأن الفعل يطلق على الأداء والقضاء جميعا ، ومعنى : * ( فقضاهن سبع سماوات ) * ( فصلت : 12 ) . قدرهن ، ومعنى * ( قضيتم مناسككم ) * ( البقرة : 200 ) . فرغتم عنها ، وكذا معنى * ( فإذا قضيت الصلاة ) * ( الجمعة : 10 ) . ومعنى : قضيت حق فلان ، أنهيت إليه حقه ، ولو سلمنا أن القضاء بمعنى الأداء فيكون مجازا ، والحقيقة أولى من المجاز ، ولا سيما على أصلهم أن المجاز ضروري لا يصار إليه إلاَّ عند الضرورة والتعذر . فإن قلت : حكى البيهقي عن مسلم أنه قال : لا أعلم هذه اللفظة يعني : فاقضوا رواها عن الزهري إلاَّ ابن عيينة ، وأخطأ . قلت : تابعه ابن أبي ذئب فرواها عن الزهري ، كذلك ، وكذا وقع في رواية لمسلم وأبي داود كما ذكرنا عن قريب ، وقال الكرماني : ( وما فاتكم فأتموا ) ، دليل للشافعية حيث قالوا : ما أدركه المسبوق مع الإمام فهو أولها ، لأن التمام لا يكون إلاَّ للآخر ، لأنه لا يقع على باقي شيء تقدم أوله ، وعكس أبو حنيفة فقال : ماأدراك مع الإمام فهو آخرها . انتهى . قلت : هو عكس حيث غفل عن رواية : فاقضوا ، وما قال فيه العلماء وقد ذكرناه ، ولو تأدب لأحسن في عبارته ، وليس أبو حنيفة ، رضي الله تعالى عنه فيما قاله وحده ، وقد ذكرنا أنه قول : عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ، رضي الله تعالى عنهم ، وقول سفيان وابن سيرين ومجاهد والنخعي والشعبي وأبي قلابة وآخرين . ومما يستفاد من الحديث : الحث في الإتيان إلى الصلاة بالسكينة والوقار ، وسواء فيه سائر الصلوات ، سواء خاف فوت تكبيرة الإحرام أم لا . وفيه : جواز قول الرجل : فاتتنا الصلاة ، وأنه لا كراهة فيه عند جمهور العلماء ، وقد مر الكلام فيه ، والله أعلم . 21 ( ( بابٌ لاَ يَسْعَى إلَى الصَّلاَةِ وَلْيَأْتِ بالسَّكِينَةِ والوَقارِ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه : لا يسعى الرجل إلى الصلاة . . . إلى آخره ، وسقطت هذه الترجمة من رواية الأصيلي ومن رواية أبي ذر عن غير السرخسي ، وفي بعض نسخ السراج : باب ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ، قاله أبو قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والأوجه ما مشينا عليه . وقال ما أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَما فَاتَكُمْ فَأتِمُّوا قالَهُ أبُو قَتَادَة عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم