العيني

147

عمدة القاري

وكسر الباء الموحدة : من الاتباع ، وهو رواية الإصيلي ، و : المؤذن ، مرفوع لأنه فاعل : يتبع ، و : فاه ، منصوب على أنه مفعول . وفي رواية غيره : يتتبع ، بفتح الياء وبالتائين المثناتين من فوق والباء الموحدة المفتوحة ، من : التتبع من باب : التفعل . وقد تكلف الكرماني وقال : لفظ : المؤذن ، بالنصب موافق لقوله : ( فجعلت أتتبع فاه ) . فإن قلت : ما فاعله ؟ قلت : الشخص . فإن قلت : فما وجه نصب فاه ؟ قلت : بدل عن المؤذن . انتهى . قلت : الموافقة التي ذكرها ليست بلازمة ، فجعل غير اللازم لازما تعسف . قوله : ( ههنا وههنا ) يعني يمينا وشمالاً ، وهما ظرفا مكان . وفي ( صحيح مسلم ) من حديث أبي جحيفة : ( فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا ، يقول يمينا وشمالاً : حي على الصلاة حي على الفلاح ) . وعند أبي داود : ( فلما بلغ : حي على الصلاة حي على الفلاح ، لوى عنقه يمينا وشمالاً ولم يستدر ) . وعند النسائي : ( فجعل يقول في أذانه هكذا ، ينحرف يمينا وشمالاً ) . وعند الطبراني : ( فجعل يقول برأسه هكذا وهكذا يمينا وشمالاً حتى فرغ من أذانه ) . وعند الترمذي مصححا ، من حديث عبد الرزاق : حدثنا سفيان عن عون عن أبيه . قال : ( رأيت بلالاً يؤذن ويدور ويتتبع فاه يمينا وشمالاً ، ههنا وههنا ) . وفي رواية أبي عوانة في ( صحيحه ) : فجعل يتبع بفيه يمينا وشمالاً ) . وفي رواية وكيع عن سفيان عند الإسماعيلي : ( رأيت بلالاً يؤذن يتتبع بفيه ) . ووصف سفيان يميل برأسه يمينا وشمالاً ، والحاصل أن بلالاً كان يتتبع بفيه الناحيتين ، وكان أبو جحيفة ينظر إليه ، فكل منهما متتبع باعتبار . قوله : ( وهل يلتفت ) أي : هل يلتفت المؤذن في الأذان ؟ نعم يلتفت ، يدل عليه رواية الإسماعيلي المذكورة ، ورواية أبي داود أيضا تدل عليه ، والمراد من الالتفات أن يلوي عنقه ولا يحول صدره عن القبلة ، ولا يزيل قدميه عن مكانهما ، وسواء المنارة وغيرها ، وبه قال الثوري والأوزاعي وأبو ثور وأحمد في رواية : وقال ابن سيرين : يكره الالتفات ، وهو قول مالك ، إلاَّ أن يريد إسماع الناس . وقال صاحب ( التوضيح ) من الشافعية : الالتفات في الحيعلتين سنة ليعم الناس بأسماعه ، وخص بذلك لأنه دعاء ، وفي وجه : يلتفت يمينا وشمالاً فيحيعل ، ثم يستقبل ثم يلتفت فيحيعل ، وكذلك الشمال . قال : ويلتفت في الإقامة أيضا على الأصح ، ثم ذكر أبو داود في رواية ، ولم يستدر ، وتمامه : قال : حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا قيس يعني ابن الربيع وحدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا وكيع عن سفيان جميعا عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه ، قال : ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وهو في قبة حمراء من أدم ، فخرج بلال فأذن ، فكنت أتتبع فمه ههنا وههنا ، قال : ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه حلة حمراء برود يمانية قطري ) ، وقال موسى : قال : ( رأيت بلالاً خرج إلى الأبطح فأذن ، فلما بلغ : حي على الصلاة حي على الفلاح ، لوى عنقه يمينا وشمالاً ولم يستدر ، ثم دخل فأخرج العنزة ) . وساق حديثه . وأخرج الترمذي مصححا من حديث عبد الرزاق : حدثنا سفيان عن عون عن أبيه ، قال : ( رأيت بلالاً يؤذن ويدور ويتتبع فاه ههنا وههنا ) . وفي رواية ابن ماجة ، قال : ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح وهو في قبة حمراء ، فخرج بلال فأذن فاستدار في أذانه وجعل إصبعيه في أذنيه ) . واعترض البيهقي ، فقال : الاستدارة في الأذان ليست في الطرق الصحيحة في حديث أبي جحيفة ، ونحن نتوهم أن سفيان رواه عن الحجاج بن أرطأة عن عون ، والحجاج غير محتج به ، وعبد الرزاق وهم في إدراجه ثم أسند عن عبد الله بن محمد بن الوليد عن سفيان به ، وليس فيه الاستدارة . وقد رويناه من حديث قيس بن الربيع عن عون ، وفيه : ( ولم يستدر ) ، وقال الشيخ في الإمام : أما كونه غير مخرج في الصحيح فليس بلازم ، وقد صححه الترمذي وهو من أئمة الشان . وأما عبد الرزاق وهم فيه فقد تابعه مؤمل ، كما أخرجه أبو عوانة في ( صحيحه ) عن مؤمل عن سفيان به نحوه ، وتابعه أيضا عبد الرحمن بن مهدي أخرجه أبو نعيم في ( مستخرجه ) على كتاب البخاري ، وقد جاءت الاستدارة من غير جهة الحجاج ، أخرجه الطبراني عن زياد بن عبد الله عن إدريس الأزدي عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه ، قال : ( بينا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وحضرت الصلاة ، فقام بلال فأذن وجعل إصبعيه في أذنيه ، وجعل يستدير يمينا وشمالاً ) . وفي ( سنن الدارقطني ) من حديث كامل بن أبي العلاء : عن أبي صالح عن أبي هريرة : أمر أبو محذورة أن يستدير في أذانه . ويُذْكَرُ عَنْ بِلاَلٍ أنَّهُ جَعَلَ إصْبَعَيْه فِي أُذُنَيْهِ ذكر هذا التعليق بصيغة التمريض ، وقد ذكرناالآن عن ابن ماجة حديثه ، وفيه جعل يعني بلال إصبعيه في أذنيه .