العيني

130

عمدة القاري

أجلهن ) * ( البقرة : 234 ، والطلاق : 2 ) . أي : قاربن لأن العدة إذا تمت فلا رجعة ، وكان فيه تامة ، فلا تحتاج إلى خبر ، فهذا التفسير يدفع إشكال من يقول إنه إذا جعل أذانه غاية للأكل فلو لم يؤذن حتى يدخل الصباح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر ، والإجماع على خلافه إلاَّ ما روى عن سليمان الأعمش جوازه بعد طلوع الفجر ولا يعتد به . فإن قيل : يشكل على هذا ما رواه البيهقي من حديث الربيع بن سليمان عن ابن وهب عن يونس ، والليث جميعا عن ابن شهاب . وفيه : ( ولم يكن يؤذن حتى يقول الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر : أذن ) . وكذا رواية البخاري في الصيام : ( حتى يؤذن ابن أم مكتوم ، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر ) . وأيضا ، فإن قوله : ( إن بلالاً يؤذن بليل ) يشعر أن ابن أم مكتوم بخلافه ، ولأنه لو كان قبل الصبح لم يكن بينه وبين بلال فرق لصدق أن كلاً منهما أذن قبل الوقت ، وأجيب بأن المراد بالبزوغ ابتداء طلوع الفجر ، فيكون أذانه علامة لتحريم الأكل ، والظاهر أنه كان يراعي له الوقت ، والدليل عليه ما رواه أبو قرة من وجه آخر عن ابن عمر حديثا فيه ، وكان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطئه ، ولا يكون توخي الأعمى في مثل هذا إلاَّ من كان له من يراعي الوقت . وأجاب بعضهم بأنه لا يلزم من كون المراد بقولهم : أصبحت ، أي : قاربت الصباح ، وقوع أذانه قبل الفجر ، لاحتمال أن يكون قولهم ذلك وقع في آخر جزء من الليل ، وأذانه يقع في أول جزء من طلوع الفجر . انتهى . قلت : هذا بعيد جدا . والمؤقت الحاذق في علمه يعجز عن تحرير ذلك . ذكر ما يستفاد منه : احتج به الأوزاعي وعبد الله بن المبارك ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وابن جرير الطبري فقالوا : يجوز أن يؤذن للفجر قبل دخول وقته ، وممن ذهب إليه : أبو يوسف ، واحتجوا أيضا بما رواه البخاري عن عائشة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : ( إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) . على ما يجيء ، ورواه مسلم والنسائي أيضا ولفظه : ( إذا أذن بلال فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ، فإن قلت : روى ابن خزيمة في ( صحيحه ) من حديث أنيسة بنت خبيب ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا . وإن كانت المرأة منا ليبقى عليها شيء من سحورها فتقول لبلال : أمهل حتى أفرغ من سحوري ) . وروى الدارمي من حديث الأسود : ( عن عائشة قالت : كان لرسول الله ثلاثة مؤذنين : بلال وأبو محذورة وعمرو بن أم مكتوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أذن عمرو فإنه ضرير البصر فلا يغرنكم ، وإذا أذن بلال فلا يطعمن أحد ) . وروى النسائي أيضا : عن يعقوب عن هشيم عن منصور عن خبيب بن عبد الرحمن عن عمته أنيسة نحو حديث ابن خزيمة . قلت : يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل الأذان بالليل نوبا بين بلال وعمرو ، فأمر في بعض الليالي بلالاً أن يؤذن أولاً بالليل ، فإذا نزل بلال صعد عمرو فأذن بعده بالنهار ، فإذا جاءت نوبة عمرو بدأ فأذن بليل فإذا نزل صعد بلال فأذن بعده بالنهار ، وكانت مقالة النبي صلى الله عليه وسلم : إن بلالاً يؤذن بليل في الوقت الذي كانت النوبة لبلال في الأذان بالليل ، وكانت مقالته صلى الله عليه وسلم : إن ابن مكتوم يؤذن بليل في الوقت الذي كانت النوبة في الأذان بالليل نوبة ابن أم مكتوم ، فكان صلى الله عليه وسلم يعلم الناس في كلا الوقتين أن الأذان الأول منهما هو أذان بليل لا بنهار ، وأنه لا يمنع من إراد الصوم طعاما ولا شرابا ، وإن الأذان الثاني إنما يمنع المطعم والمشرب ، إذ هو بنهار لا بليل . وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد وزفر بن الهذيل : لا يجوز أن يؤذن للفجر أيضا إلاَّ بعد دخول وقتها ، كما لا يجوز لسائر الصلوات إلاَّ بعد دخول وقتها ، لأنه للإعلام به ، وقبل دخوله تجهيل وليس بإعلام ، فلا يجوز . وأما الجواب عن أذان بلال الذي كان يؤذن بالليل قبل دخول الوقت فلم يكن ذلك لأجل الصلاة ، بل إنما كان ذلك لينتبه النائم وليتسحر الصائم ، وليرجع الغائب ، بين ذلك ما رواه البخاري من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يمنعن أحدكم أو واحدا منكم أذان بلال من سحوره ، فإنه يؤذن أو ينادي بليل ليرجع غائبكم ولينتبه نائمك . . . ) الحديث على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى ، وأخرجه مسلم أيضا . وأخرجه الطحاوي من ثلاث طرق ، ولفظه : ( لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره ، فإنه ينادي أو يؤذن ليرجع غائبكم ولينتبه نائمكم ) . الحديث ، ومعنى : ( ليرجع غائبكم ) : ليرد غائبكم من الغيبة ، ورجع يتعدى بنفسه ولا يتعدى ، والرواية المشهورة : ( ليرجع قائمكم ) من : القيام ، ومعناه : ليكمل ويستعجل بقية ورده ، ويأتي بوتره قبل الفجر . وقال عياض ما ملخصه : ما قاله الحنفية