العيني
123
عمدة القاري
على أن يلاحظ معنى الإعطاء في البعث ، فحينئذٍ يكون مفعولاً ثانيا له ، وذكر الكرماني فيه وجوها أخرى ما تمشي إلا بالتعسف ، وقد استبعد بعضهم بأن قال : نصب على الظرفية ، وهو مكان غير مبهم ، فلا يجوز أن يقدر فيه كلمة : في . فإن قلت : ما وجه التنكير فيه ؟ قلت : ليكون حكاية عن لفظ القرآن . وقال الطيبي : إنما نكر لأنه أفحم وأجزل ، كأنه قيل : مقاما ، أي : مقاما محمودا بكل لسان . وقال النووي : ثبتت الرواية بالتنكير . قلت : وقع في رواية النسائي وابن خزيمة وغيرهما : المقام المحمود ، بالألف واللام . وقال ابن الجوزي : الأكثر على أن المراد يالمقام المحمود : الشفاعة . وقيل : إجلاسه على العرش . وقيل : على الكرسي وقيل : معناه : الذي يحمده القائم فيه وكل من رآه وعرفه ، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات . وعن ابن عباس : مقام يحمدك فيه الأولون والآخرون ، وتشرف فيه على جميع الخلائق ، تُسأل فتعطي ، ليس أحدا إلاَّ تحت لوائك . وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي . فإن قلت : قد وعده الله بالمقام المحمود ، وهو لا يخلف الميعاد ، فما الفائدة في دعاء الأمة بذلك ؟ قلت : أما لطلب الدوام والثبات ، وإما للإشارة إلى جواز دعاء الشخص لغيره ، والاستعانة بدعائه في حوائجه ، ولا سيما من الصالحين . قوله : ( الذي وعدته ) بدل من قوله : مقاما ، أو مرفوع بتقدير : هو ، أو منصوب على المدح . فإن قلت : هل يجوز أن يكون صفة للمقام ؟ قلت : أن قلنا : المقام المحمود ، صار علما لذلك المقام يجوز أن يكون صفة ، وإلاَّ لا يجوز لأنه نكرة . وأما على رواية النسائي : المقام المحمود ، فيجوز بلا نزاع ، والمراد بالوعد ، ما قاله تعالى : * ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) * ( الإسراء : 79 ) . وأطلق عليه : الوعد ، لأن عسى من الله واقع ، وليس على بابه في حق الله تعالى ، وفي رواية البيهقي : ( الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد ) . قوله : ( حلت شفاعتي ) ، جواب : من . ومعنى : حلت أي : استحقت ، ويكون من الحلال لأنه من كان الشيء حلاله كان مستحقا لذلك ، وبالعكس ، ويجوز أن يكون من الحلول بمعنى النزول ، وتكون اللام بمعنى : على ، ويؤيده رواية مسلم : ( حلت عليه ) ، وفي رواية الطحاوي من حديث ابن مسعود : ( وجبت له ) ، ولا يجوز أن يكون من الحل خلاف الحرمة ، لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة . فإن قيل : كيف جعل ذلك ثوابا بالقائل ذلك مع أنه ثبت أن الشفاعة للمذنبين ؟ وأجيب : بأن للنبي صلى الله عليه وسلم شفاعات متعددة : كإدخال الجنة بغير حساب ، ورفع الدرجات ، فيشفع لكل أحد بما يناسب حاله . ونقل القاضي عياض عن بعض شيوخه : أنه كان يرى تخصيص ذلك بمن قال مخلصا مستحضرا لجلال الله تعالى ، لا بمن قصد بذلك مجرد الثواب ونحو ذلك ، وهذا مجرد تحكم ، فليس بمناسب . وقال بعضهم : ولو كان أخرج من ذلك الغافل اللاهي لكان أشبه ، وفيه نظر أيضا على ما لا يخفى . ذكر ما يستفاد منه فيه : الحض على الدعاء في أوقات الصلاة حين تفتح أبواب السماء للرحمة ، وقد جاء : ( ساعتان لا يرد فيهما الدعاء : حضرة النداء بالصلاة ، وحضرة الصف في سبيل الله ) . فدلهم صلى الله عليه وسلم على أوقات الإجابة . فإن قلت : هل الإتيان بهذه الألفاظ المذكورة سببا لاستحقاق الشفاعة ، أو غيرها يقوم مقامها ؟ قلت : روى الطحاوي من حديث عبد الله بن مسعود ، رضي الله تعالى عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ( ما من مسلم يقول ، إذا سمع النداء ، فيكبر المنادي فيكبر ، ثم يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا رسول الله ، فيشهد على ذلك ثم يقول : اللهم أعط محمدا الوسيلة واجعله في الأعلين درجته ، وفي المصطفين محبته ، وفي المقربين ذكره إلاَّ وجبت له شفاعتي يوم القيامة ) . وأخرجه الطبراني أيضا . قوله : ( واجعله ) أي : واجعل له درجة في الأعلين ، وهو جمع أعلى ، وهو صفة من يعقل ههنا لأن المراد منهم الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، فلذلك جمع بالواو والنون ، فإعرابه بالواو حالة الرفع وبالياء حالتي النصب والجر ، وهذا مقصور ، والضمة والكسرة فيه مقدرتان في حالتي النصب والجر . قوله : ( المصطفين ) ، بفتح الفاء جمع : مصطفى ، وهو أيضا كذلك بالواو وبالياء حالتي النصب والجر ، والمصطفى : المختار من الصفوة ، وأصله مصتفى ، بالتاء ، فقلبت طاء كما عرف في موضعه . وروى الطحاوي أيضا من حديث أم سلمة ، رضي الله تعالى عنها ، أنها قالت : ( علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : يا أم سلمة إذا كان عند أذان المغرب فقولي : اللهم عند استقبال ليلك ، وإدبار نهارك ، وأصوات دعائك ، وحضور صلواتك ، اغفر لي . . . ) وأخرجه أبو داود ، ولفظه : ( اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك فاغفر لي ) . وأخرجه الطبراني في ( الكبير ) وفي آخره : وكانت إذا تعارت من الليل تقول : رب اغفر وارحم ، واهد السبيل الأقوم ، وروى أبو