العيني
108
عمدة القاري
من أصحاب الشافعي : إن ترك الترجيع يعتد به ، وحكى عن بعض أصحابه أنه لا يعتد به كما لو ترك سائر كلماته ، كذا في ( الحلية ) . وفي ( شرح الوجيز ) : والأصح أنه إنْ ترك الترجيع لم يضره ، وحجة الشافعي حديث أبي محذورة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه الأذان : الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ، ثم يعود فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة ، حي على الفلاح حي على الفلاح ، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ) . رواه الجماعة إلاَّ البخاري من حديث عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة ، وحجة أصحابنا حديث عبد الله بن زيد من غير ترجيع فيه ، وكأن حديث أبي محذورة لأجل التعليم فكرره ، فظن أبو محذورة أنه ترجيع ، وأنه في أصل الأذان ، وروى الطبراني في ( معجمه الأوسط ) عن أبي محذورة أنه قال : ( ألقى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان حرفا حرفا : الله أكبر الله أكبر . . . ) إلى آخره ، لم يذكر فيه ترجيعا . وأذان بلال بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرا وحضرا ، وهو مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطباق أهل الإسلام إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومؤذن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه إلى أن توفي من غير ترجيع . الرابعة : أن التكبير في أول الأذان مربع ، على ما في حديث أبي محذورة ، رواه مسلم وأبو عوانة والحاكم ، وهو المحفوظ عن الشافعي من حديث ابن زيد ، رضي الله تعالى عنه ، وقال أبو عمر : ذهب مالك وأصحابه إلى أن التكبير في أول الأذان مرتين ، قال : وقد روي ذلك من وجوه صحاح في أذان أبي محذورة ، وأذان ابن زيد ، والعمل عندهم بالمدينة على ذلك في آل سعد القرظ إلى زمانهم ، قلنا : الذي ذهبنا إليه هو أذان الملك النازل من السماء . الخامسة : في أذان الفجر : الصلاة خير من النوم ، مرتين بعد الفلاح لما روى الطبراني في ( معجمه الكبير ) بإسناده عن بلال أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بالصبح ، فوجده راقدا ، فقال : الصلاة خير من النوم ، مرتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما أحسن هذا يا بلال إجعله في أذانك ) . وأخرجه الحافظ أبو الشيخ في ( كتاب الأذان ) ، له عن ابن عمر قال : ( جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بالصلاة ، فوجده قد أغفى ، فقال : الصلاة خير من النوم ، فقال له : إجعله في أذانك إذا أذنت للصبح ، فجعل بلال يقولها إذا أذن للصبح ) . ورواه ابن ماجة من حديث سعيد بن المسيب : ( عن بلال أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بصلاة الفجر ، فقيل : هو نائم ، فقال : الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم . فأقرت في تأذين الفجر ) ، وخص الفجر به لأنه وقت نوم وغفلة . السادسة : في معاني كلمات الأذان : ذكر ثعلب أن أهل العربية اختلفوا في معنى : أكبر ، فقال أهل اللغة : معناه كبير ، واحتجوا بقوله تعالى : * ( وهو أهون عليه ) * ( الروم : 27 ) . معناه وهو هين عليه ، وكما في قول الشاعر : * تمنى رجال أن أموت وإن أمت [ / عفتلك سبيل لست فيها بأوحد * أي : لست فيها بواحد . وقال الكسائي والفراء وهشام : معناه أكبر من كل شيء ، فحذفت : من ، كما في قول الشاعر : * إذا ما ستور البيت أرخيت لم يكن * سراج لنا إلاَّ ووجهك أنور * أي : أنور من غيره ، وقال ابن الأنباري : وأجاز أبو العباس : الله كبر ، واحتج بأن الأذان سمع وقفا لا إعراب فيه . قوله : ( أشهد أن لا إله إلا الله ) معناه : أعلم وأبين ، ومن ذلك : شهد الشاهد عند الحاكم ، معناه : قد بين له وأعلمه الخبر الذي عنده ، وقال أبو عبيدة : معناه أقضي ، كما في : * ( شهد الله ) * ( آل عمران : 18 ) . معناه : قضى الله . وقال الزجاجي : ليس كذلك ، وإنما حقيقة الشهادة هو تيقن الشيء وتحققه من شهادة الشيء أي : حضوره . قوله : ( رسول الله ) قال ابن الأنباري : الرسول معناه في اللغة : الذي تتابع الأخبار من الذي بعثه من قول العرب ، قد جاءت الإبل رسلا أي : جاءت متتابعة . ويقال في تثنيته : رسولان ، وفي جمعه : رسل ، ومن العرب من يوحده في موضع التثنية والجمع ، فيقول : الرجلان رسولك ، والرجال رسولك ، قال الله تعالى : إنا رسولا ربك ) * ( طه : 47 ) . وفي موضع آخر : * ( أنا رسول رب العالمين ) * ( مريم : 190 ) ، ففي الأول خرج الكلام على ظاهره لأنه إخبار عن موسى وهارون ، عليهما الصلاة والسلام ، وفي الثاني بمعنى الرسالة ، كأنه قال : إنا رسالة رب العالمين ، قاله يونس ، وقال أبو إسحاق الزجاج : ليس ما ذكره ابن الأنباري في اشتقاق الرسول صحيحا ، وإنما الرسول المرسل المبعد من أرسلت 9 أبعدت وبعثت ، وإنما توهم