العيني

104

عمدة القاري

حدثنا محمد بن خزيمة حدثنا محمد بن سنان حدثنا حماد بن سلمة عن حماد بن إبراهيم ، قال : ( كان ثوبان ، رضي الله تعالى عنه ، يؤذن مثنى مثنى ، ويقيم مثنى مثنى ) . حدثنا يزيد بن سنان حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا قطر بن خليفة عن مجاهد قال : في الإقامة مرة مرة ، إنما هو شيء أحدثه الأمراء ، وأن الأصل التثنية . قلت : وقد ظهر لك بهذه الدلائل أن قول النووي في ( شرح مسلم ) : وقال أبو حنيفة : الإقامة سبع عشرة كلمة ، وهذا المذهب شاذ ، قول واهٍ لا يلتفت إليه ، وكيف يكون شاذا مع وجود هذه الأحاديث والأخبار الصحيحة ؟ فإن قالوا : حديث أبي محذورة لا يوازي حديث أنس المذكور من جهة واحدة ، فضلاً عن الجهات كلها ، مع أن جماعة من الحفاظ ذهبوا إلى أن اللفظة في تثنية الإقامة غير محفوظة ، ثم رووا من طريق البخاري : عن عبد الملك بن أبي محذورة : أنه سمع أبا محذورة يقول : ( إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ) . قلنا : قد ذكرنا أن الترمذي صححه ، وكذا ابن خزيمة وابن حبان صححا هذه اللفظة ، فإن قالوا : سلمنا أن هذه محفوظة ، وأن الحديث ثابت ، ولكن نقول : إنه منسوخ لأن أذان بلال هو آخر الأذانين ؟ قلنا : لا نسلم أنه منسوخ ، لأن حديث بلال إنما كان أول ما شرع الأذان ، كما دل عليه حديث أنس ، وحديث أبي محذورة كان عام حنين ، وبينهما مدة مديدة . قوله : ( ويوتر ) ، بالنصب عطفا على : يشفع ، من : أوتر إيتارا أي : يأتي بالإقامة فرادى . ذكر ما يستنبط منه فيه : التصريح بأن الأذان مثنى مثنى ، والإقامة فرادى ، وبه قال الشافعي وأحمد ، وحاصل مذهب الشافعي : أن الأذان تسع عشرة كلمة بإثبات الترجيع ، والإقامة إحدى عشرة ، وأسقط مالك تربيع التكبير في أوله وجعله مثنى ، وجعل الإقامة عشرة بإفراد كلمة الإقامة . وقال الخطابي : والذي جرى به العمل في الحرمين والحجاز والشام واليمن ومصر والمغرب إلى أقصى بلاد الإسلام : أن الإقامة فرادى ، ومذهب عامة العلماء أن يكون لفظ : قد قامت الصلاة مكررا ، إلا مالكا ، فالمشهور عنه : أنه لا تكرير ، وقال : فرق بين الأذان والإقامة في التثنية والإفراد ليعلم أن الأذان إعلام بورود الوقت ، والإقامة أمارة لقيام الصلاة ، ولو سوى بينهما لاشتبه الأمر في ذلك ، وصار سببا لأن يفوت كثير من الناس صلاة الجماعة إذا سمعوا الإقامة ، فظنوا أنها الأذان . انتهى . قلت : العجب من الخطابي كيف يصدر عنه مثل هذا الكلام الذي تمجه الأسماع ، ومثل هذا الفرق الذي بين الأذان والإقامة غير صحيح ، لأن الأذان إعلام الغائبين ، ولهذا لا يكون إلا على المواضع العالية كالمنائر ونحوها ، والإقامة إعلام الحاضرين من الجماعة للصلاة ، فكيف يقع الاشتباه بينهما ؟ فالذي يتأمل الكلام لا يقول هذا ، وأبعد من ذلك قوله : إن تثنية الإقامة تكون سببا لفوات كثير من الناس صلاة الجماعة لظنهم أنها الأذان ، وكيف يظنون هذا وهم حاضرون ، لأن الإقامة إعلام الحاضرين ؟ وبمثل هذا الكلام يحتج أحد لنصرة مذهبه وتمشية قوله ، وأعجب من هذا قول الكرماني : قال أبو حنيفة : تثنى الإقامة ، والحديث حجة عليه ، وكيف يكون حجة عليه وقد تمسك فيما ذهب إليه بالأحاديث الصحيحة الدالة على تثنية الإقامة على ما ذكرناها عن قريب ؟ ونحن أيضا نقول : هذه الأحاديث حجة على الشافعي ، وروي عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، أنه مر بمؤذن أوتر الإقامة فقال له : اشفعها لا أم لك . وروي عن النخعي أنه قال : أول من أفرد الإقامة معاوية ، وقال مجاهد : كانت الإقامة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مثنى مثنى حتى استخفه بعض أمراء الجور لحاجة لهم ، وقد ذكرناه عن قريب . وقال الكرماني أيضا : ظاهر الأمر للوجوب ، لكن الأذان سنة ؟ قلت : ظاهر صيغة الأمر له لا ظاهر لفظه ، يعني : ( أمر ) ، وههنا لم تذكر الصيغة ، سلمنا أنه للإيجاب ، لكنه لإيجاب الشفع لا لأصل الأذان ، ولا شك أن الشفع واجب ليقع الأذان مشروعا ، كما أن الطهارة واجبة لصحة صلاة النفل ، ولئن سلمنا أنه لنفس الأذان يقال : إنه فرض كفاية ، لأن أهل بلدة لو اتفقوا على تركه قاتلناهم ، أو أن الإجماع مانع عن الحمل على ظاهره قلت : كيف يقول : إن الإجماع مانع عن الحمل على ظاهره ، وقد حمله قوم على ظاهره ، وقالوا : إنه واجب ؟ وقال ابن المنذر : إنه فرض كفاية في حق الجماعة في الحضر والسفر ، وقال مالك : يجب في مسجد الجماعة . وقال عطاء ومجاهد : لا تصح الصلاة بغير أذان ، وهو قول الأوزاعي ، وعنه : يعاد في الوقت . وقال أبو علي والاصطخري : هو فرض في الجمعة . وقال : الظاهرية هما واجبان لكل صلاة ، واختلفوا في صحة الصلاة بدونهما . وقال داود : هما فرض الجماعة وليسا بشرط لصحتها . وذكر محمد بن الحسن ما يدل على وجوبه ، فإنه قال : لو