العيني
53
عمدة القاري
عطاء بن أبي رباح عن عائشة رضي ا عنها أن النبي : ( كان يقصر في الصلاة ويتم ويفطر ويصوم ) . وقال الدارقطني : إسناده صحيح ، وقد رواه البيهقي عن طلحة بن عمرو ودلهم بن صالح والمغيرة بن زياد ، وثلاثتهم ضعفاء عن عطاء عن عائشة . قال : والصحيح عن عائشة موقوف . والجواب عن الحديث الأول أنه حجة لنا لأنه أمر بالقبول ، فلا يبقى خيار الرد شرعاً ، إذ الأمر للوجوب . فإن قلت : المتصدق عليه يكون مختاراً في قبول الصدقة كما في المتصدق عليه من العباد . قلت : معنى قوله : ( تصدق ا بها عليكم ) حكم عليكم ، لأن التصدق من ا فيما لا يحتمل التمليك يكون عبارة عن الإسقاط كالعفو من ا . والجواب عن الحديث الثاني : أنه معارض بحديث آخر أخرجه البخاري ومسلم عن حفص بن عاصم عن ابن عمر قال : ( صحبت رسول الله في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه ا ، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه ا تعالى ، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه ا تعالى ) ، وقد قال ا تعالى : * ( لقد كان لكم في رسول ا أسوة حسنة ) * ( الأحزاب : 12 ) وإليه ذهب علماء أكثر السلف وفقهاء الأمصار ، أي : إلى أن القصر واجب ، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وجابر وابن عباس ، روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة وقال حماد بن أبي سليمان : يعيد من صلى في السفر أربعاً . وعن مالك : يعيد ما دام في الوقت . وقال أحمد : السنة ركعتان . وقال مرة أخرى : أنا أحب العافية من هذه المسألة . وقال الخطابي : والأولى أن يقصر المسافر الصلاة لأنهم أجمعوا على جوازها إذا قصر ، واختلفوا فيما إذا أتم ، والإجماع مقدم على الاختلاف ، وسقط بهذا كله ما قاله بعضهم : ويدل على أنه أي القصر رخصة أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام : ( صدقة تصدق ا بها عليكم ) . وقال أيضاً ؛ احتج مخالفهم أي : مخالف الحنفية بقوله تعالى : * ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) * ( النساء : 101 ) . لأن القصر إنما يكون من شيء أطول منه . قلت : الجواب عنه أن المراد من القصر المذكور فيها هو القصر في الأوصاف من ترك القيام إلى القعود ، أو ترك الركوع والسجود إلى الإيماء لخوف العدو بدليل أنه علق ذلك بالخوف ، إذ قصر الأصل غير متعلق بالخوف بالإجماع ، بل متعلق بالسفر ، وعندنا قصر الأوصاف مباح لا واجب ، مع أن رفع الجناح في النص لدفع توهم النقصان في صلاتهم بسبب دوامهم على الإتمام في الحضر ، وذلك مظنة توهم النقصان ، فرفع ذلك عنهم . وقال هذا القائل أيضاً ، والزموا الحنفية على قاعدتهم فيما إذا عارض رأي الصحابي روايته ، فالعبرة بما روي بأنه ثبت عن عائشة أنها كانت تتم في السفر . قلت : قاعدة الحنفية على أصلها ، ولا يلزم من إتمام عائشة في السفر النقض على القاعدة ، لأن عائشة كانت ترى القصر جائزاً والإتمام جائزاً ، فأخذت بأحد الجائزين ، وإنما يرد على قاعدتنا ما ذكره أن لو كانت عائشة تمنع الإتمام ، وكذلك الجواب في إتمام عثمان رضي ا تعالى عنه ، وهذا هو الذي ذكره المحققون في تأويلهما . وقيل : لأن عثمان إمام المؤمنين وعائشة أمهم فكأنهما كانا في منازلهما ، وأبطل بأنه عليه الصلاة والسلام ، كان أولى بذلك منهما . وقيل : لأن عثمان تأهل بمكة وأبطل بأنه سافر بأزواجه وقصر ، وقيل : فعل ذلك من أجل الأعراب الذين حضروا معه لئلا يظنون أن فرض الصلاة ركعتان أبداً سفراً وحضراً ، وأبطل بأن هذا المعنى إنما كان موجوداً في زمن النبي ، بل اشتهر أمر الصلاة في زمن عثمان أكثر مما كان ، وقيل : لأن عثمان نوى الإقامة بمكة بعد الحج ، وأبطل بأن الإقامة بمكة حرام على المهاجر فوق ثلاث ، وقيل : كان لعثمان أرض بمنى ، وأبطل بأن ذلك لا يقتضي الإتمام والإقامة . 2 ( ( بابُ وُجُوبِ الصَّلاَةِ في الثِّيَابِ ) ) أي : هذا باب في بيان وجوب الصلاة في الثياب ، والمراد : ستر العورة . وقال أبو الوليد بن رشد في ( القواعد ) : اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق ، واختلفوا : هل شرط من شروط صحة الصلاة أم لا ؟ وظاهر مذهب مالك أنها من سنن الصلاة ، مستدلاً بحديث عمرو بن سلمة لما تقلصت بردته ، فقالت امرأة : غطوا عنا أست قارئكم ، وعند بعضهم : شرط عند الذكر دون النسيان ، وعند أبي حنيفة والشافعي وعامة الفقهاء وأهل الحديث : أن ذلك شرط في صحة الصلاة . فرضها ونفلها ، وإنما قال في الثياب ، بلفظ الجمع نحو قولهم : فلان يركب الخيول ويلبس البرود . ووجه المناسبة بين البابين من حيث إنه ذكر في الباب السابق فرضية الصلاة ، وذكر في هذا أن ذلك الفرض لا يقوم إلاَّ بستر العورة ، لأنه فرض مثلها . فإن قلت : للصلاة شروط غير هذا فما وجه تخصيصه بالتقديم على غيره ؟ قلت : لأنه ألزم من غيره ، وفي تركه بشاعة عظيمة بخلاف غيره من الشروط .