العيني
43
عمدة القاري
بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به والصد عن اتباع الهوى والباطل ، فالحكيم من حاز ذلك كله . وقال ابن دريد : كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة . وقيل : الحكمة المانعة من الجهل . وقيل : هي النبوة . وقيل : الفهم عن ا تعالى . وقال ابن سيده : القرآن كفى به حكمة لأن الأمة صارت علماء بعد الجهل . وفي ( التوضيح ) ، وفي هذا الحديث دلالة صريحة أن شرح صدره كان ليلة المعراج ، وفعل به ذلك لزيادة الطمأنينة لما يرى من عظم الملكوت ، أو لأنه يصلي بالملائكة عليهم والسلام . قوله : ( فأفرغه في صدري ) أي : أفرغ كل واحد من الحكمة والإيمان اللذين كانا في الطست في صدري . قوله : ( ثم أطبقه ) أي ؛ ثم أطبق صدره ، يقال : أطبقت الشيء إذا غطيته وجعلته مطبقاً . وفي ( التوضيح ) : لما فعل به ذلك ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء ، فجمع ا له أجزاء النبوة وختمها ، فهو خاتم النبيين ، وختم عليه فلم يجد عدوه سبيلاً إليه من أجل ذلك ، لأن الشيء المختوم محروس ، وقد جاء أنه استخرج منه علقة ، وقال : هذا حظ الشيطان منك ، وذكر عياض أن موضع الخاتم إنما هو شق الملكين بين كتفيه ، ذكره القرطبي . وقال : هذه غفلة ، لأن الشق إنما كان ولم يبلغ بالسن حتى نفذ إلى ظهره ، ورواه أبو داود الطيالسي والبزار وغيرهما من حديث عروة عن أبي ذر ، ولم يسمع منه في حديث الملكين ، قال أحدهما لصاحبه : اغسل بطنه غسل الإناء ، واغسل قلبه غسل الملاء ، ثم خاط بطني وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن ، وهذا دال مع حديث البخاري ، كما نبه عليه القرطبي ، وأنه في الصدر دون الظهر ، وإنما كان الخاتم في ظهره ليدل على ختم النبوة به ، وأنه لا نبي بعده ، وكان تحت نغض كتفه لأن ذلك الموضع منه يوسوس الشيطان . قوله : ( فعرج بي ) يعني : صعد ، والعروج : الصعود . يقال : عرج يعرج عروجاً من باب : نصر ينصر ، وقال ابن سيده : عرج في الشيء وعليه يعرج وعرج يعرج عروجاً : رقي ، وعرج الشيء فهو عريج : ارتفع وعلا ، والمعراج شبه سلم مفعال من العروج ، كأنه آلة له . وقال ابن سيده : المعراج شبه سلم تعرج عليه الأرواح . وقيل : هو حيث تصعد أعمال بني آدم . قوله : ( إلى السماء الدنيا ) وروى ابن حبان في ( صحيحه ) مرفوعاً : ( بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام ) . وذكر في كتاب ( العظمة ) لأبي سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي : عن عبد ا ، قال : ( ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام ، وبين السماء إلى السماء التي تليها مثل ذلك ، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي كذلك ، والماء على الكرسي ، والعرش على ذلك الماء ) . وفي كتاب ( العرش ) لأبي جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، بإسناده إلى العباس ، قال : قال رسول ا : ( هل تدرون كم بين السماء والأرض ؟ قلنا ؛ ا ورسوله أعلم . قال : بينهما خمسمائة عام ، وكثف كل سماء خمسمائة سنة ، وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ) . وروي أيضاً عن أبي ذر مرفوعاً مثله . قوله : ( افتح ) أي : إفتح الباب ، وهذا يدل على أن الباب كان مغلقاً ، والحكمة فيه أن السماء لم تفتح إلاَّ لأجله ، بخلاف ما لو وجده مفتوحاً ، وهذا يدل أيضاً على أن عروجه ، كان بجسده ، إذ لو لم يكن بجسده لما استفتح الباب . قوله : ( قال من هذا ؟ ) أي : قال الخازن : من هذا الذي يقرع الباب ؟ قال : جبريل ، وفيه إثبات الاستئذان ، وأن يقول : فلان ، ولا يقول : أنا ، كما نهي عنه في حديث جابر . قوله : ( أسودة ) جمع سواد ، كالأزمنة جمع زمان ، والسواد الشخص ، وقيل : الجماعات ، وسواد الناس : عوامهم ، وكل عدد كثير ، ويقال : هي الأشخاص من كل شيء . قال أبو عبيد : هو شخص كل شيء من متاع أو غيره ، والجمع : أسودة ، وأساودة جمع الجمع . قوله : ( مرحبا ) معناه أصبت رحباً وسهلاً ، فاستأنس ولا تستوحش . قوله ؛ ( بالنبي الصالح ) ، وهو القائم بحقوق ا وحقوق العباد ، وكلهم قالوا له : بالنبي الصالح ، لشموله سائر الخلال المحمودة الممدوحة من الصدق والأمانة والعفاف والفضل ، ولم يقل له أحد : مرحباً بالنبي الصادق ، ولا : بالنبي الأمين ، لما ذكرنا أن الصلاح شامل لسائر أنواع الخير . قوله : ( نسم بنيه ) النسم ؛ بفتح النون والسين ، والنسمة : نفس الروح ، و : ما بها نسمة أي : نفس ، والجمع : نسم ، قاله ابن سيده . وقال الخطابي : هي النفس ، والمراد أرواح بني آدم ، وقال ابن التين : ورويناه : نسيم بني آدم ، والأول أشبه . وقال القاضي عياض : فيه دلالة أن نسم أهل النار في السماء ثم قال : قد جاء أن أرواح الكفار في سجين ، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة ، فكيف تكون مجتمعة في السماء ؟ وأجاب بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتاً فصادف وقت عرضها مرور النبي . فإن قلت : لا تفتح أبواب السماء لأرواح الكفار