العيني
5
عمدة القاري
العربي : هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء ، لأنا لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة ، رضي ا تعالى عنها . وقال ابن بطال : هي أية النساء وآية المائدة ، وقال القرطبي : هي آية النساء . لأن آية المائدة تسمى : آية الوضوء ، وليس في آية النساء ذكر الوضوء ، وأورد الواحدي في ( أسباب النزول ) هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضاً . وقال السفاقسي ، كلاماً طويلاً ملخصه : أن الوضوء كان لازماً لهم ، وآية التيمم ، أما المائدة أو النساء ، وهما مدنيتان ، ولم يكن صلاة قبلُ إلاَّ بوضوء ، فلما نزلت آية التيمم لم يذكر الوضوء لكونه متقدماً متلواً ، لأن حكم التيمم هو الطارىء على الوضوء . وقيل : يحتمل أن يكون نزل أولاً أول الآية ، وهو فرض الوضوء ، ثم نزلت عند هذه الواقعة آية التيمم وهو تمام الآية وهو : * ( وإن كنتم مرضى ) * ( النساء : 34 ، والمائدة : 6 ) ويحتمل أن يكون الوضوء كان بالسنة لا بالقرآن ، ثم أنزلا معاً ، فعبرته عائشة بالتيمم إذ كان هو المقصود . قلت : لو وقف هؤلاء على ما ذكره أبو بكر الحميدي في جمعه في حديث عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ، رضي ا تعالى عنها ، فذكر الحديث ، وفيه فنزلت : * ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ) * ( المائدة : 6 ) الآية إلى قوله : * ( لعلكم تشكرون ) * ( المائدة : 6 ) لما احتاجوا إلى هذا التخرص ، وكأن البخاري أشار إلى هذا إذ تلا بقية هذه الآية الكريمة . قوله : ( فتيمموا ) صيغة الماضي ، أي : فتيمم الناس بعد نزول الآية وهي . قوله : ( فلم تجدوا ماء ) والظاهر أنه صيغة الأمر على ما هو لفظ القرآن ذكره بياناً أو بدلاً عن آية التيمم ، أي : أنزل ا تعالى : * ( فتيمموا ) * ( المائدة : 6 النساء : 36 ) . قوله : ( فقال أسيد بن الحضير ) ، بضم الهمزة : مصغر أسد ، والحضير ، بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالراء . قال الكرماني : وفي بعضها بالنون ، قال : وفي بعضها : الحضير ، بالألف واللام . وهو نحو : الحارث ، من الأعلام التي تدخلها لام التعريف جوازاً . قلت : إنما يدخلونها للمح الوصفية ، وأسيد بن حضير بن شمال الأوسي الأنصاري الأشهلي ، أبو يحيى ، أحد النقباء ليلة العقبة الثانية ، مات بالمدينة سنة عشرين ، وحمل عمر ، رضي ا عنه ، جنازته من حملها وصلى عليه ودفن بالبقيع . فإن قلت : في رواية عبد ا بن نمير عن هشام : ( فبعث رجلاً فوجدها ) ، وفي رواية مالك : ( فبعثنا البعير فأصبنا العقد ) ، وبينهما تضاد . قلت : قال المهلب : ليس بينهما تناقض ، لأنه يحتمل أن يكون المبعوث هو أسيد بن حضير فوجدها بعد رجوعه من طلبها ، ويحتمل أن يكون النبي وجدها عند إثارة البعير بعد انصراف المبعوثين إليها ، فلا يكون بينهما تعارض . انتهى . قلت : هما واقعتان كما أشرنا إليه في الرواية الأولى : ( عقد ) ، وفي الأخرى : ( قلادة ) ، فلا تعارض حينئذٍ ، ويحتمل أن يكون قوله : بعث رجلاً ، يعني أميراً على جماعة كعادته ، فعبر بعض الرواة : بأناس ، يعني أسيداً وأصحابه . وبعضهم : برجلاً ، يعني المشار إليه ، أو يكون قولها ، فوجده ، تعني بذلك النبي ، لا الرجل المبعوث . فإن قلت : ما معنى قول أسيد ما قاله دون غيره ؟ قلت : لأنه كان رأس المبعوثين في طلب العقد الذي ضاع . قوله : ( ما هي بأول بركتكم ) أي : ليس هذه البركة أول بركتكم ، بل هي مسبوقة بغيرها من البركات ، والقرينة الحالية والمقالية تدلان على أن قوله : ( هي ) ، يرجع إلى البركة وإن لم يمض ذكرها ، وفي رواية عمرو بن الحارث : ( لقد بارك ا للناس فيكم ) ، وفي تفسير إسحاق البستي من طريق ابن أبي مليكة عنها : ( أن النبي ، قال لها : ما كان أعظم بركة قلادتك ) . وفي رواية هشام بن عروة الآتية في الباب الذي يليه : ( فوا ما نزل بك أمر تكرهينه إلاَّ جعل ا للمسلمين خيراً ) . وفي النكاح من هذا الوجه : ( إلاَّ جعل ا لك منه مخرجاً ، وجعل للمسلمين فيه بركة ) ، وهذا يشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك ، فيقوي قول من ذهب إلى تعدد ضياع العقد ، وممن جزم بذلك محمد بن حبيب الأنصاري ، فقال : ( سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع وفي غزوة بني المصطلق ) ، وقد اختلف أهل المغازي في أي هاتين الغزوتين كانت أول ، فقال الداودي : كانت قصة التيمم في غزوة الفتح ، ثم تردد في ذلك ، وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة ، رضي ا عنه ، قال : ( لما نزلت آية التيمم لم أدرِ كيف أصنع ) . الحديث ، فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق . لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة ، وهي بعدها بلا خلاف ، وسيأتي في المغازي ، إن شاء ا تعالى ، أن البخاري يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى الأشعري ، رضي ا تعالى عنه ، وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة . ومما يدل على تأخر القصة أيضاً عن قصة الإفك ما رواه الطبراني من طريق عباد بن عبد ا بن الزبير عن عائشة ، رضي ا تعالى عنها . وتقدم ذكره عن قريب . قوله : ( فبعثنا البعير ) أي : أثرنا البعير الذي كنت عليه حالة