العيني

37

عمدة القاري

ووقع في رواية الأصلي : ( فإن لم تجدوا ) ، وهو مغاير للتلاوة . وقيل : إنه كان كذلك في رواية أبي ذر ثم أصلحها على وفق الآية ، وإنما عين سورة المائدة لكونها أظهر في مشروعية تيمم الجنب من آية النساء ، لتقدم حكم الوضوء في المائدة ، وقال الخطابي وغيره : فيه دليل على عبد ا كان يرى أن المراد بالملامسة الجماع ، فلهذا لم يدفع دليل أبي موسى وإلاَّ لكان يقول له : المراد من الملامسة التقاء البشرتين فيما دون الجماع ، وجعل التيمم بدلاً من الوضوء لا يستلزم أن يكون بدلاً من الغسل . قلت : لو أراد بالملامسة الجماع لكان مخالفة للآية صريحاً ، وإنما تأولها على معنى غير الجماع ، كما ذكرنا عن قريب . قوله : ( أن يتيمموا الصعيد ) أي : أن يقصدوه ، ويروى : ( أن يتيمموا بالصعيد ) . قوله : ( قلت ) ، هو مقول شقيق ، كذا قاله الكرماني . قلت : ليس كذلك ، بل القائل ذلك هو الأعمش ، والمقول له هو شقيق ، كما صرح بذلك في رواية عمر بن حفص التي مضت قبل هذه . قوله : ( هذا ) أي : تيمم الجنب . قوله : ( لذا ) أي : لأجل تيمم صاحب البرد . قوله : ( كما تمرغ الدابة ) ، بالتشديد وضم الغين المعجمة ، وأصله : تتمرغ بالتائين فحذفت إحداهما للتخفيف ، كما في قوله تعالى : * ( ناراً تلظى ) * ( الليل : 41 ) أصله : تتلظى . قوله : ( بكفه ضربة ) ويروى : ( بكفيه ) . وقال الكرماني : اعلم أن هذه الكيفية مشكلة من جهات : أولاً : مما ثبت من الطريق الآخر أنه ضربتان ، وقال النووي : الأصح المنصوص ضربتان : وثانياً : من جهة الاكتفاء بمسح ظهر كف واحدة ، وبالاتفاق مسح كلا ظهري الكفين . واجب ، ولم يجوز أحد الاجتزاء بأحدهما . وثالثاً : من حيث إن الكف إذا استعمل ترابه في ظهر الشمال كيف مسح به الوجه وهو صار مستعملاً . ورابعاً : من جهة أنه لم يمسح الذارعين . وخامساً : من عدم مراعاة الترتيب وتقديم الكف على الوجه انتهى . قلت : هذه خمسة إشكالات أوردها . ثم تكلف في الجواب عنها ، ثم قال في آخره : هذا غاية وسعنا في تقريره ولعل عند غيرنا خيراً منه . أقول : وبا التوفيق : ملخص جوابه عن الأول بالمنع بأنا لا نسلم أن هذا التيمم كان بضربة واحدة . قلت : منعه ممنوع لأنه كان بضربة واحدة ، لأنه صرح فيه بأن : الضربة الواحدة كافية ، فيحمل هذا على الجواز ، وما ورد من الزيادة عليها على الكمال . وقوله : وقال النووي : الأصح المنصوص ضربتان ، اعتراض على الحديث بالمذهب ، وهو غير صحيح . وأجاب عن الثاني : بأنه لا بد من تقدير : ثم ضرب ضربة أخرى ومسح بها يديه . قلت : لا يحتاج إلى هذا التقدير لأن أصل الفرض يقوم بضربة واحدة ، كما في الوضوء ، على أن مذهب جمهور العلماء الاكتفاء بضربة واحدة ، كذا ذكره ابن المنذر ، واختاره هو أيضاً ، والبخاري أيضاً ، فلذلك بوب عليه . وأجاب عن الثالث : بما لا طائل تحته ، والجواب السديد ملخصاً : أن التراب لا يأخذ حكم الاستعمال ، وهذا الحكم في الماء دون التراب . وأجاب عن الرابع : بمنع إيجاب مسح الذراعين ، وأكد ذلك بقوله : ولهذا قالوا مسح الكفين أصح في الرواية ، ومسح الذارعين أشبه بالأصول . قلت : فعلى هذا ، الإشكال الرابع غير وارد من الأول . وأجاب عن الخامس : بمنع إيجاب الترتيب كما هو مذهب الحنفية . قلت : هذه استعانة برأي من هو يخالف رأيه . قوله : ( ثم مسح بها ظهر كفه ) ، ويروى : ( مسح بهما ) . قوله : ( أو ظهر شماله بكفه ) ، كذا هو بالشك في جميع الروايات إلاَّ في رواية أبي داود فإنه رواه أيضاً من طريق أبي معاوية ، كما رواه البخاري ولفظه ، فقال : ( إنما يكفيك أن تصنع هكذا ، وضرب بيديه على الأرض فنفضهما ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين ثم مسح وجهه ) . انتهى . وهذا يحرر رواية غيره ، لأن الحديث واحد ، واختلاف الألفاظ باختلاف الرواية ، وفيه دليل صريح على أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين جميعاً ، ولكن العامة أجابوا عن هذا : إن هذا الضرب المذكور كان للتعليم وليس المراد به بيان جميع ما يحصل به التيمم ، لأن ا تعالى أوجب غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء في أول الآية ، ثم قال في التيمم * ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) * ( النساء : 34 ، والمائدة : 6 ) والظاهر أن اليد المطلقة هنا هي المقي دة في الوضوء . فافهم . قوله : ( فقال عبد ا ) ، ويروى : قال عبد ا بدون : الفاء . قوله : ( ألم تر عمر ؟ ) وفي رواية الأصيلي وكريمة : ( أفلم تر ؟ ) بزيادة الفاء ، فيه . قوله : ( لم يقنع بقول عمار ) ، ووجه عدم قناعته بقول عمار هو أنه كان معه في تلك الفضية ، ولم يتذكر عمر ذلك أصلاً ، ولهذا قال لعمار ، فيما رواه مسلم عن عبد الرحمن بن أبزى : ( اتق ا يا عمار فيما ترويه وتثبت فيه فلعلك نسيت أو اشتبه عليك ، فإني كنت معك ولا أتذكر شيئاً من هذا ) ، ومعنى قول عمار ؛ إني رأيت المصلحة في الإمساك عن التحديث به راجحة على التحديث وافقتك وأمسكت ، فإني قد بلّغته ولم يبق علي حرج ؛ فقال له عمر رضي ا تعالى عنه : إنا نوليك