العيني

303

عمدة القاري

بن سليم : ( حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها ثم ركع وسجد ، حتى إذا فرغ من سجوده فقام أخذها فردها في مكانها ) . ذكر ما يستفاد منه : تكلم الناس في حكم هذا الحديث ، فقال النووي : هذا يدل لمذهب الشافعي ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان في صلاة النفل ، ويجوز للإمام والمنفرد والمأموم قلت : أما مذهب أبي حنيفة في هذا ما ذكر صاحب ( البدائع ) وفي بيان العمل الكثير الذي يفسد الصلاة والقليل الذي لا يفسدها : فالكثير ما يحتاج فيه إلى استعمال اليدين ، والقليل ما لا يحتاج فيه إلى ذلك ، وذكر لهما صوراً حتى قال : إذا أخذ قوساً ورمى فسدت صلاته ، وكذا لو حملت امرأة صبيها فأرضعته ، لوجود العمل الكثير الذي يفسد الصلاة ، وأما حمل الصبي بدون الإرضاع فلا يوجب الفساد ، ثم روى الحديث المذكور ، ثم قال : وهذا الصنيع لم يكره منه لأنه كان محتاجاً إلى ذلك لعدم من يحفظها ، أو لبيان الشرع بالفعل ، وهذا غير موجب فساد الصلاة . ومثل هذا أيضاً في زماننا لا يكره لواحد منَّا لو فعل ذلك عند الحاجة ، أما بدون الحاجة فمكروه . انتهى . وذكر أشهب عن مالك أن ذلك كان من رسول الله في صلاة النافلة ، وأن مثل هذا الفعل غير جائز في الفريضة . وقال أبو عمر : حسبك بتفسير مالك ، ومن الدليل على صحة ما قاله في ذلك أني لا أعلم خلافاً أن مثل هذا العمل في الصلاة مكروه . وقال النووي : هذا التأويل فاسد ، لأن قوله : ( يؤم الناس ) صريح أو كالصريح في أنه كان في الفريضة ، قلت : هو ما رواه سفيان بن عيينة بسنده إلى أبي قتادة الأنصاري ، قال : ( رأيت النبي يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص ، وهي بنت زينب ابنة رسول الله على عاتقه ) . ولأن الغالب في إمامة رسول الله كانت في الفرائض دون النوافل وفي رواية أبي داود عن أبي قتادة صاحب رسول ا ، قال : ( بينما نحن ننتظر رسول ا ، للصلاة في الظهر أو العصر وقد دعا بلال للصلاة ، إذ خرج إلينا وأمامة بنت أبي العاص ، بنت ابنته ، على عنقه ، فقام رسول ا ، في مصلاه وقمنا خلفه ) الحديث . وفي كتاب ( النسب ) للزبير بن بكار : عن عمرو بن سليم أن ذلك كان في صلاة الصبح . وقال النووي : وادعى بعض المالكية أنه منسوخ . وقال الشيخ تقي الدين : هو مروي عن مالك أيضاً . وقال أبو عمر : ولعل هذا نسخ بتحريم العمل والاشتغال بالصلاة وقد رد هذا بأن قوله : ( إن في الصلاة لشغلاً ) ، كان قبل بدر عند قدوم عبد ا بن مسعود من الحبشة ، وأن قدوم زينب وبنتها إلى المدينة كان ذلك ، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان فيه إثبات النسخ بمجرد الاجتهاد ، وروى أشهب وابن نافع عن مالك : أن هذا كان للضرورة ، وادعى بعض المالكية أنه خاص بالنبي ، ذكره القاضي عياض . وقال النووي : وكل هذه الدعاوى باطلة ومردودة ، فإنه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها ، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك ، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع ، لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه في معدنه ، وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة ، ودلائل الشرع متظاهرة على أن هذه الأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت ، وفعل النبي ، هذا بياناً للجواز وتنبيهاً عليه . قلت : وقد قال بعض أهل العلم : إن فاعلاً لو فعل مثل ذلك لم أر عليه إعادة من أجل هذا الحديث ، وإن كنت لا أحب لأحد فعله ، وقد كان أحمد بن حنبل يجيز هذا . قال الأثرم : سئل أحمد : يأخذ الرجل ولده وهو يصلي ؟ قال : نعم . واحتج بحديث أبي قتادة . قال الخطابي : يشبه أن يكون هذا الصنيع من رسول الله لا عن قصد وتعمد له في الصلاة . ولعل الصبية لطول ما ألفته واعتادته من ملابسته في غير الصلاة كانت تتعلق به حتى تلابسه وهو في الصلاة فلا يدفعها عن نفسه ولا يبعدها ، فإذا أراد أن يسجد وهي على عاتقه ، وضعها بأن يحطها أو يرسلها إلى الأرض حتى يفرغ من سجوده ، فإذا أراد القيام . وقد عادت الصبية إلى مثل الحالة الأولى ، لم يدافعها ولم يمنعها ، حتى إذا قام بقيت محمولة معه . هذا عندي وجه الحديث . ولا يكاد يتوهم عليه أنه كان يتعمد لحملها ووضعها وإمساكها في الصلاة تارة بعد أخرى ، لأن العمل في ذلك قد يكثر فيتكرر ، والمصلي يشتغل بذلك عن صلاته ، وإذا كان علم الخميصة يشغله عن صلاته حتى يستبدل بها الأنبجانية ، فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صفته من الأمور ؟ وفي ذلك بيان ما تأولناه . وقال النووي ، بعد أن نقل ملخص كلام الخطابي : هذا الذي ذكره باطل ودعوى مجردة ، ومما يرد عليه قوله في ( صحيح مسلم ) : ( فإذا قام حملها ) .