العيني
294
عمدة القاري
الذي يمر بين يدي المصلي عمداً يتمنى يوم القيامة أنه شجرة يابسة ) . وفي المصنف عن عبد الحميد ، عامل عمر بن عبد العزيز ، قال : ( لو يعلم المار بين يدي المصلي ما عليه لأحب أن ينكسر فخذه ولا يمر بين يديه ) . وقال ابن مسعود : ( المار بين يدي المصلي أنقص من الممر عليه ، وكان إذا مر أحد بين يديه التزمه حتى يرده ) . وقال ابن بطال : قال عمر ، رضي ا عنه : ( لكان يقوم حولاً خير له من مروره ) . وقال كعب الأحبار : ( لكان أن يخسف به خيراً له من أن يمر بين يديه ) . قوله : ( قال أبو النضر ) قال الكرماني : إما من كلام مالك فهو مسند ، وإما تعليق من البخاري . قلت : هو كلام مالك وليس هو من تعليق البخاري لأنه ثابت في ( الموطأ ) من جميع الطرق ، وكذا ثبت في رواية الثوري وابن عيينة . قوله : ( أقال ؟ ) الهمزة فيه للاستفهام ، وفاعله : بسرا أو رسول الله كذا قاله الكرماني . قلت : الظاهر أنه بسر بن أمية . ذكر إعرابه ) قوله : ( ماذا عليه ؟ ) كلمة ما : استفهام ومحله الرفع على الابتداء ، وكلمة : ذا ، إشارة خبره ، والأولى أن تكون : ذا موصولة بدليل افتقاره إلى شيء بعده لأن تقديره : ماذا عليه من الإثم ، ثم إن : ماذا عليه ، في محل النصب على أنه سد مسد المفعولين لقوله : ( لو يعلم ) ، وقد علق عمله بالاستفهام . قوله : ( لكان ) جواب : لو ، وكلمة : أن ، مصدرية ، والتقدير : لو يعلم المار ما الذي عليه من الإثم من مروره بين يدي المصلي لكان وقوفه أربعين خيراً له من أن يمر ؟ أي : من مروره بين يديه . وقال الكرماني : جواب : لو ، ليس هو المذكور ، إذ التقدير : لو يعلم ماذا عليه لوقف أربعين ، لو وقف أربعين لكان خيراً له . قلت : لا ضرورة إلى هذا التقدير وهو تصرف فيه تعسف ، وحق التركيب ما ذكرناه . قوله : ( خيراً ) فيه روايتان : النصب والرفع . أما النصب فظاهر لأنه خبر : لكان ، واسم ، كان ، هو قوله : أن يقف ، لأنا قلنا : إن كلمة : أن ، مصدرية ، وأن التقدير : لكان وقوفه أربعين خيراً له . وأما وجه الرفع ، فقد قال ابن العربي : هو اسم : ولم يذكر خبر ما هو ، وخبر هو قوله : أن يقف ، والتقدير : لو يعلم المار ماذا عليه لكان خير وقوفه أربعين ، وتعسف بعضهم فقال : يحتمل أن يقال : اسمها ضمير الشأن والجملة خبرها . قوله : ( أقال : أربعين يوماً أو شهراً أو سنة ؟ ) لأنه ذكر العدد أعني أربعين ، ولا بد من مميز ، لأنه لا يخلو عن هذه الأشياء ، وقد أبهم ذلك ههنا . فإن قلت : ما الحكمة فيه ؟ قلت : قال الكرماني : وأبهم الأمر ليدل على الفخامة ، وأنه مما لا يقدر قدره ولا يدخل تحت العبارة . انتهى . قلت : الإبهام ههنا من الراوي ، وفي نفس الأمر العدد معين ، ألاَ ترى كيف تعين فيما رواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة ( لكان أن يقف مائة عام ؟ ) الحديث ؟ كما ذكرنا ، وكذا عين في مسند البزار من طريق سفيان بن عيينة : ( لكان أن يقف أربعين خريفاً ) . وقال الكرماني : فإن قلت : هل للتخصيص بالأربعين حكمة معلومة ؟ قلت : أسرار أمثالها لا يعلمها إلاَّ الشارع ، ويحتمل أن يكون ذلك لأن الغالب في أطوار الإنسان أن كمال كل طور بأربعين ، كاطوار النطفة ، فإن كل طور منها بأربعين ، وكمال عدل الإنسان في أربعين سنة ، ثم الأربعة أصل جميع الأعداد ، لأن أجزاءه وهي عشرة ، ومن العشرات المآت ، ومنها الألوف ، فلما أريد التكثير ضوعف كل إلى عشرة أمثاله . انتهى . قلت : غفل الكرماني عن رواية المائة حيث قصر في بيان الحكمة على الأربعين ، وقال بعضهم ، في التنكيت على الكرماني : بأن هذه الرواية تشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر لا لخصوص عدد معين . قلت : لا ينافي رواية المائة عن بيان وجه الحكمة في الأربعين ، بل ينبغي أن يطلب وجه الحكمة في كل منهما ، لأن لقائل أن يقول : لِمَ أطلق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر . ولِمَ لَمْ يذكر الخمسين أو ستين أو نحو ذلك ؟ والجواب الواضح الشافي في ذلك أن تعيين الأربعين للوجه الذي ذكره الكرماني ، وأما وجه ذكر الطحاوي أنه قيد بالمائة بعد التقييد بالأربعين للزيادة في تعظيم الأمر على المار ، لأن المقام مقام زجر وتخويف وتشديد . فإن قلت : من أين علم أن التقييد بالمائة بعد التقييد بالأربعين ؟ قلت : وقوعهما معاً مستعبد ، لأن المائة أكثر من الأربعين ، وكذا وقوع الأربعين بعد المائة لعدم الفائدة ، وكلام الشارع كله حكمة وفائدة ، والمناسبة أيضاً تقتضي تأخير المائة عن الأربعين . فإن قلت : قد علم فيما مضى وجه الحكمة في الأربعين ، فما وجه الحكمة في تعيين المائة ؟ قلت : المائة وسط بالنسبة إلى العشرات والألوف ، وخير الأمور أوسطها ، وهذا مما تفردت به . ذكر ما يستفاد منه من الأحكام ) فيه : أن المرور بين يدي المصلي مذموم ، وفاعله مرتكب الإثم . وقال النووي : فيه دليل على تحريم المرور ، فإن في الحديث النهي الأكيد والوعيد الشديد ، فيدل على ذلك . قلت : فعلى ما ذكره ينبغي أن