العيني
291
عمدة القاري
الأولى أو الدفعة الأولى . قوله : ( فنال من أبي سعيد ) بالنون أي : أصاب من عرضة بالشتم ، وهو من النيل ، وهو الإصابة . قوله : ( ثم دخل على مروان ) ، وهو مروان بن الحكم ، بفتح الكاف : ر الأموي أبو عبد الملك ، يقال : إنه رأى النبي ، قاله الواقدي ولم يحفظ عنه شيئاً ، توفي النبي ، وهو ابن ثمان سنين ، مات بدمشق لثلاث خلون من رمضان سنة خمس وستين وهو ابن ثلاث وستين سنة ، وقد تقدم ذكره في باب البزاق والمخاط . قوله : ( فقال : مالك ؟ ) أي فقال مروان ، فكلمة : ما مبتدأ و : لك خبره . ( و : لابن أخيك ) عطف عليه بإعادة الخافض ، وأطلق الأخوة باعتبار أن المؤمنين أخوة ، وفيه تأييد لقول من قال إن المار بين يدي أبي سعيد الذي دفعه غير الوليد ، لأن أباه عقبة قتل كافراً . فإن قلت : لِمَ لَمْ يقل : ولأخيك ، بحذف الأبن . قلت : نظراً إلى أنه كان شاباً أصغر منه . قوله : ( فليدفعه ) ، وفي رواية مسلم : ( فليدفع في نحره ) . قال القرطبي : أي بالإشارة ، ولطيف المنع . قوله : ( فليقاتله ) ، بكسر اللام الجازمة وبسكونها . قوله : ( فإنما هو شيطان ) ، هذا من باب التشبيه حذف منه أداة التشبيه للمبالغة أي : إنما هو كشيطان ، أو يراد به شيطان الإنس ، وإطلاق الشيطان على المارد من الإنس سائغ شائع ، وقد جاء في القرآن قوله تعالى : * ( شياطين الإنس والجن ) * ( الأنعام : 211 ) وقال الخطابي : معناه أن الشيطان يحمله على ذلك ويحركه إليه ، وقد يكون أراد بالشيطان المار بين يديه نفسه ، وذلك أن الشيطان هو المارد الخبيث من الجن والإنس . وقال القرطبي : ويحتمل أن يكون معناه : الحامل له على ذلك الشيطان ، ويؤيده حديث ابن عمر عند مسلم : ( لا يدع أحداً يمر بين يديه فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين ) . وعند أبن ماجة : ( قال : القرين ) ، وقال المنكدري : فإنه معه العزى وقيل : معناه : إنما هو فعل الشيطان لشغل قلب المصلي ، كما يخطر الشيطان بين المرء ونفسه . ذكر ما يستنبط منه من الأحكام وهو على وجوه . الأول : فيه اتخاذ السترة للمصلي ، وزعم ابن العربي أن الناس اختلفوا في وجوب وضع السترة بين يدي المصلي على ثلاثة أقوال . الأول : أنه واجب ، فإن لم يجد وضع خطاً ، وبه قال أحمد ، كأنه اعتمد حديث ابن عمر الذي صححه الحاكم : ( لا تصلي إلاَّ إلى سترة ولا تدع أحداً يمر بين يديك ) . وعن أبي نعيم في ( كتاب الصلاة ) : حدّثنا سليمان ، أظنه عن حميد بن هلال ، قال عمر ابن الخطاب : لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس ، وعند ابن أبي شيبة ، عن ابن مسعود : ( إنه ليقطع نصف صلاة المرء المرور بين يديه ) . الثاني : أنها مستحبة ، ذهب إليه أبو حنيفة ومالك والشافعي . الثالث : جواز تركها ، وروي ذلك عن مالك . قلت : قال أصحابنا : الأصل في السترة أنها مستحبة . وقال إبراهيم النخعي : كانوا يستحبون إذا صلوا في الفضاء أن يكون بين أيديهم ما يسترهم . وقال عطاء ، لا بأس بترك السترة ، وصلى القاسم وسالم في الصحراء إلى غير سترة ، ذكر ذلك كله ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) . واعلم أن الكلام في هذا على عشرة أنواع : الأول : أن السترة واجبة أو لا ؟ وقد مر الآن . الثاني : مقدار موضع يكره المرور فيه ، فقيل : موضع سجوده ، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي وشيخ الإسلام قاضيخان ، وقيل : مقدار صفين أو ثلاثة ، وقيل : بثلاثة أذرع ، وقيل : بخمسة أذرع . وقيل : بأربعين ذراعاً ، وقدر الشافعي وأحمد بثلاثة أذرع ، ولم يحد مالك في ذلك حداً إلاّ أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد ويتمكن من دفع من مر بين يديه . والثالث : أنه يستحب لمن صلى في الصحراء أن يتخذ أمامه سترة ، وروى أبو داود من حديث أبي هريرة أن رسول الله قال : ( إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً ، فإن لم يجد فلينصب عصاً ، فإن لم يكن له عصاً ، فليخط خطا ولا يضره ما مر أمامه ) . وخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) وذكر عبد الحق أن ابن المديني وأحمد بن حنبل صححاه ، وقال عياض : هذا الحديث ضعيف وإن كان قد أخذ به أحمد . وقال سفيان بن عيينة : لم نجد شيئاً نشد به هذا الحديث . وكان إسماعيل بن أمية إذا حدث بهذا الحديث يقول : عندكم شيء تشدون به ، وأشار الشافعي إلى ضعفه . وقال النووي : فيه ضعف وأضطراب . وقال البيهقي : ولا بأس به في مثل هذا الجكم . الرابع : مقدار السترة ، قد ورد : قدر ذراع ، وقد ذكرنا الكلام فيه مستوفى فيما مضى عن قريب . والخامس : ينبغي أن يكون في غلظ الإصبع لأن ما دونه لا يبدو للناظر من بعيد . والسادس : يقرب من السترة ، وقد مر الكلام فيه مستوفىً في باب سترة الإمام سترة لمن خلفه . والسابع : أن يجعل السترة على حاجبه الأيمن ، أو على الأيسر ، وأخرج أبو داود من حديث المقداد بن الأسود ، قال : ( ما رأيت سول الله يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلاَّ جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ، ولا يصمد له صمداً ) ، يعني لم يقصده قصداً بالمواجهة ،