العيني
266
عمدة القاري
النووي فيه تأويلان : أحدهما : أن معناه لم يكن المجموع ، ولا ينفي وجود أحدهما . والثاني : هو الصواب ، معناه : لم يكن لا ذلك ولا ذا في ظني ، بل ظني أني أكملت الصلاة أربعاً . ويدل على صحة هذا التأويل ، وأنه لا يجوز غيره ، أنه جاء في رواية للبخاري في هذا الحديث : أن النبي قال : ( لم نقصر ولم أنس يرجع إلى السلام أي : لم أنس فيه إنما سلمت قصداً ، ولم أنس في نفس السلام ، وإنما سهوت عن العدد . قال القرطبي : وهذا فاسد ، لأنه حينئذ لا يكون جواباً عما سئل عنه . ويقال : بين النسيان والسهو فرق ، فقيل : كان يسهو ولا ينسى ، فلذلك نفي عن نفسه النسيان ، لأن فيه غفلة ، ولم يغفل . قاله القاضي . وقال القشيري : هذا أفرق بينهما في استعمال اللغة ، وكأنه يلوح من اللفظ على أن النسيان عدم الذكر لأمر لا يتعلق باصلاة ، والسهو عدم الذكر لأمر يتعلق بها ، ويكون النسيان الإعراض عن تفقد أمورها حتى يحصل عدم الذكر ، والسهو عدم الذكر لا لأجل الإعراض . وقال القرطبي : لا نسلم الفرق ، ولئن سلم فقد أضاف النبي النسيان إلى نفسه في غير ما موضع ، بقوله : ( إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني ) . وقال القاضي : إنما أنكر نسيت المضافة إلى نفسه ، وهو قد نهى عن هذا بقوله : ( بئسما لأحدكم أن يقول : نسيت كذا ، ولكنه نسي ) . وقد قال أيضاً : لا أنسى ، وقد شك بعض الرواة في روايته ، فقال : أنسى أو أنسّى ، وأن : أو للشك أو للتقسيم ، وأن هذا يكون منه مرة من قبل شغله ، ومرة يغلب ويجبر عليه ، فلما سأله السائل بذلك أنكره . وقال : ( كل ذلك لم يكن ) وفي الأخرى : ( لم أنس ولم تقصر ) ، أما القصر فبين ، وكذلك : لم أنس ، حقيقة من قبل نفسي ولكن ا تعالى أنساني ، ويمكن أن يجاب عما قاله القاضي : أن النهي في الحديث عن إضافة نسيت إلى الآية الكريمة لأنه يقبح للمؤمن أن يضيف إلى نفسه نسيان كلام ا تعالى ، ولا يلزم من هذا النهي الخاص النهي عن إضافته إلى كل شيء . فافهم . وذكر بعضهم أن العصمة ثابتة في الإخبار عن ا تعالى ، وأما إخباره عن الأمور الوجودية فيجوز فيها النسيان قلت : تحقيق الكلام في هذا المقام أن قوله : لم ينس ولم تقصر الصلاة ، مثل قوله : كل ذلك لم يكن ، والمعنى : كل من القصر والنسيان لم يكن ، فيكون في معنى : لا شيء منهما بكائن ، على شمول النفي وعمومه لوجهين : أحدهما : أن السؤال عن أحد الأمرين : بأم ، ويكون لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم ، لا على التعيين ، غير أنه إنما يكون بالتعيين أو بنفيهما جميعاً تخطئه للمستفهم لا بنفي الجمع بينهما ، حتى يكون نفي العموم لأنه عارف بأن الكائن أحدهما . والثاني : لما قال : كل ذلك لم يكن ، قال له ذو اليدين : قد كان بعض ذلك . ومعلوم أن الثبوت للبعض إنما ينافي النفي عن كل فرد لا النفي عن المجموع . وقوله : قد كان بعض ذلك ، موجبة جزئية ونقيضها السالبة الكلية ، ولولا أن ذا اليدين فهم السلب الكلي لما ذكر في مقابلته الإيجاب الجزئي ، وههنا قاعدة أخرى وهي : أن لفظة : كل إذا وقعت في حيز النفيي كان النفي موجبها خاصة ، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد ، كقولك : ما جاء كل القوم ولم آخذ كل الدراهم . وقوله . * ما كل ما يتمنى المرء يدركه * وإن وقع النفي في حيزها اقتضى السلب عن كل فرد . كقوله : ( كل ذلك لم يكن ) . قوله : ( أكما يقول ذو اليدين ؟ ) أي : الأمر كما يقول . قوله : ( فقالوا : نعم ) ، وفي رواية للبخاري : ( فقال الناس : نعم ) ، وفي رواية أبي داود : ( فأمأوا ) أي : نعم ، وفي أكثر الأحاديث قالوا : نعم ، ويمكن أن يجمع بينهما بأن بعض أومأ ، وبعضهم يكلم . وسنذكر وجه هذا عن قريب . قوله : ( فربما سألوه ) فربما سألوا ابن سيرين : هل في الحديث : ثم سلم ، يعني : سألوا ابن سيرين أن رسول الله بعد هذا السجود سلم مرة أخرى ، أو اكتفى بالسلام الأول ؟ وكلمة : رب ، أصلها للتقليل ، وكثر استعمالها في التكثير ، وتلحقها كلمة : ما ، فتدخل على الجمل . قوله : ( فيقول : نبئت ) ، بضم النون : أي أخبرت أن عمران بن حصين قال : ثم سلم ، وهذا يدل على أنه لم يسمع من عمران ، وقد بين أبو داود في روايته عن ابن سيرين الواسطة بينه وبين عمران ، فقال : حدّثنا محمد بن يحيى بن فارس حدّثنا محمد بن عبد ا بن المثنى قال حدثني أشعث عن محمد بن سيرين عن خالد عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين : ( أن رسول ا ، صلى بهم وسها ، فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم ) . ورواه النسائي والترمزي وقال : حسن غريب ، ورواه الطحاوي من حديث شعبة عن خالد الحذاء ، قال : سمعت أبا قلابة يحدث عن عمه أبي المهلب عن عمران بن حصين : ( أن رسول الله صلى بهم الظهر ثلاث ركعات ثم سلم وانصرف ، فقال له الخرباق : يا رسول ا إنك صليت ثلاثاً قال : فجاء فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين للسهو ثم سلم ) . وأبو قلابة اسمه : عبد ا بن زيد الحرمي ، وعمه أبو المهلب اسمه : عمرو بن معاوية ، قاله النسائي . وقيل : عبد الرحمن بن معاوية ، وقيل : معاوية بن عمرو ، وقيل : عبد الرحمن بن