العيني
237
عمدة القاري
بن كلاب ، وكانوا ينزلون البكرات بناحية ضرية ، وبين ضرية والمدينة سبع ليال ، وضرية ، بفتح الضاد المعجمة وكسر الراء وتشديد الياء آخر الحروف : وهي أرض كثيرة العشب ، وإليها ينسب الحمى ، وضربة : في الأصل بنت ربيعة بن نذار بن مد بن عدنان ، وسمي الموضع المذكور باسمها ، و : البكرات ، بفتح الباء الموحدة في الأصل : جمع بكرة ، وهي ماء بناحية ضرية . قوله : ( قبل نجد ) ، بكسر القاف وفتح الباء الموحدة : وهو الجهة ، ونجد ، بفتح النون وسكون الجيم : وهو في جزيرة العرب . قال المدائني : جزيرة العرب خمسة أقسام : تهامة ونجد وحجاز وعروض ويمن . أما تهامة فهي الناحية الجنوبية من الحجاز ، وأما نجد فهي الناحية التي بين الحجاز والعراق ، وأما الحجاز فهو جبل سد من اليمن حتى يتصل بالشام وفيه المدينة وعمان ، وأما العروض فهي اليمامة إلى البحرين . وقال الواقدي : الحجاز من المدينة إلى تبوك ومن المدينة إلى طريق الكوفة ومن وراء ذلك إلى أن يشارف أرض البصرة فهو نجد ، وما بين العراق وبين وجرة وعمرة الطائف ، نجد ، وما كان وراء وجرة إلى البحر فهو تهامة ، وما كان بين تهامة ونجد فهو حجاز ، سمي حجازاً لأنه يحجز بينهما . قوله : ( ثمامة ) ، بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميم وبعد الألف ميم أخرى مفتوحة ، وأثال ، بضم الهمزة وتخفيف الثاء المثلثة وبعد الألف لام . قوله : ( فانطلق إلى نجل ) أي : فأطلقوه فانطلق إلى نجل ، ونجل : بفتح النون وسكون الجيم وفي آخره لام ؛ وهو الماء النابع من الأرض . وقال الجوهري : استنجل الموضع أي كثر به النجل ، وهو الماء يظهر من الأرض ، وهكذا وقع في النسخة المقروءة على أبي الوقت ، وكذا زعم ابن دريد ، وفي أكثر الروايات : إلى ، نخل ، بالخاء المعجمة ، وكذا في رواية مسلم ، ويؤيد هذا ما رواه ابن خزيمة في ( صحيحه ) من حديث أبي هريرة : ( أن ثمامة أسر وكان النبي يغدو إليه فيقول : ما عندك يا ثمامة ؟ فيقول : إن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تمنَّ تمنَّ على شاكر ، وإن ترد المال نعطك منه ما شئت ، وكان أصحاب النبي يحبون الفداء ويقولون : ما نصنع بقتل هذا ؟ فمر عليه النبي يوماً فأسلم فحله وبعث به إلى حائط أبي طلحة ، فأمره أن يغتسل فاغتسل وصلى ركعتين ، فقال : لقد حسن إسلام أخيكم ) . وبهذا اللفظ أخرجه أيضاً ابن حبان في ( صحيحه ) : وأخرجه البزار أيضاً بهذه الطريق وفيه ( فأمره النبي عليه الصلاة والسلام ، أن يغتسل بماء وسدر ) ، وفي بعض الروايات : ( أن ثمامة ذهب إلى المصانع فغسل ثيابه واغتسل ) ، وفي ( تاريخ البرقي ) : فأمره أن يقوم بين أبي بكر وعمر فيعلمانه . ذكر ما يستفاد منه من الفوائد . الأولى : جواز دخول الكافر المسجد . قال ابن التين : وعن مجاهد وابن محيريز جواز دخول أهل الكتاب فيه ، وقال عمر بن عبد العزيز وقتادة ومالك والمزني : لا يجوز . وقال أبو حنيفة ؛ يجوز للكتابي دون غيره ، واحتج بما رواه أحمد في ( مسنده ) بسند جيد : عن جابر رضي ا تعالى عنه ، قال : قال رسول ا : ( لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إِلاَّ أهل العهد وخدمهم ) واحتج مالك بقوله تعالى : * ( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ) * ( التوبة : 82 ) وبقوله تعالى : * ( في بيوت أذن ا أن ترفع ويذكر فيها اسمه ) * ( النور : 63 ) ودخول الكفار فيها مناقض لرفعها ، وبقوله : ( إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر ) . والكافر لا يخلو عن ذلك ، وبقوله عليه السلام : ( لا أحل المسجد لحائض ولا جنب ) والكافر جنب . ومذهب الشافعي أنه : يجوز بإذن المسلم ، سواء كان الكافر كتابياً أو غيره ، واستثنى الشافعي من ذلك مسجد مكة وحرمه ، وحجته حديث ثمامة ، وبأن ذات المشرك ليست بنجسة . الثانية : فيه أسر الكافر وجواز إطلاقه ، وللإمام في حق الأسير العاقل القتل أو الاسترقاق أو الإطلاق منَّاً عليه ، أو الفداء . قال الكرماني : يحتمل أنه أطلق ثمامة لما علم أنه آمن بقلبه وسيظهره بكلمة الشهادة . وقال ابن الجوزي : لم يسلم تحت الأسر لعزة نفسه ، وكأن رسول الله أحس بذلك منه ، فقال : أطلقوه ، فلما أطلق أسلم قلت : يرد هذا حديث أبي هريرة الذي رواه ابن خزيمة وابن حبان الذي ذكرناه الآن ، وفيه : ( فمر يوماً فأسلم فحله ) . فهذا يصرح بأن إسلامه كان قبل إطلاقه ، فيعذر الكرماني في هذا . لأنه قال بالاحتمال ولم يقف على حديث أبي هريرة ، وأما ابن الجوزي فكيف غفل عن ذلك مع كثرة اطلاعه في الحديث ؟ الثالث : فيه جواز ربط الأسير في المسجد . وقال القرطبي : يمكن أن يقال : ربطه بالمسجد لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها فيأنس لذلك . قلت : يوضح هذا ما رواه ابن خزيمة في ( صحيحه ) : عن عثمان بن أبي العاص : أن وفد ثقيف لما قدموا أنزلهم النبي المسجد ليكون أرق لقلوبهم .